آخر الأسبوع علم الدين عمر الجيش يحكم قبضته على كردفان والفاشر.. وإنهيار متسارع للمليشيا.. إنتصارات الميدان وحراك الدبلوماسية وتراجع السياسة..

آخر الأسبوع

علم الدين عمر

الجيش يحكم قبضته على كردفان والفاشر.. وإنهيار متسارع للمليشيا..

إنتصارات الميدان وحراك الدبلوماسية وتراجع السياسة..

عبد الرحيم دقلو : قيادة مباشرة كشفت عزلة التمرد وأنحسار الحواضن..

البرهان في الدوحة: صوت السودان الشرعي في قمة قطر..

كامل إدريس في الرياض: أول تحرك وزاري خارجي يرسم ملامح إعادة الإعمار والإستثمار..

وعكة رئيس الوزراء..إستراحة قصيرة ضمن زيارة مثقلة بالملفات..

(1)

الإسبوع المنصرم حمل في طياته رسائل قوية من كافة المسارات ..حيث واصل الجيش تقدمه بخطى ثابتة في محاور كردفان والفاشر..مثبتاً مرة أخرى أنه الجهة الوحيدة القادرة على إعادة بوصلة الدولة إلى نصابها..
المعارك في كردفان شهدت سقوط مواقع مهمة كانت تمثل خطوط إمداد للمليشيا..مما أدى إلى شلل شبه كامل في قدرتها على شن هجمات مضادة.. وفي الفاشر..المدينة التي أرادتها المليشيا مركزاً لبسط نفوذها تحولت الموازين بشكل واضح..
مصادر ميدانية أكدت أن الخسائر في صفوف المليشيا احدثت إنكساراً كبيراً في بنيتها القيادية..مع مصرع عدد من قادتها الميدانيين.. هذا الإنهيار وفق مراقبين.. يفسر إندفاع عبد الرحيم دقلو بنفسه إلى ساحة العمليات في الفاشر.

(2)
عبد الرحيم دقلو.. قيادة تكشف العزلة..

أنباء متطابقة أشارت إلى أن قائد ثاني المليشيا عبد الرحيم دقلو يتولى بنفسه إدارة المعارك في الفاشر.. بعد أن تقطعت السبل بجهازه القيادي وأصبحت أوامره السابقة بلا أثر فعلي..
نزوله الميداني إعتبره بعض المراقبين مغامرة غير محسوبة.. فهو يكشف عن عجز حقيقي في مستويات القيادة الوسطى للمليشيا.. كما يضع الرجل في قلب المعركة دون ضمانات تأمينية..

الأهم أن الخطوة تؤكد العزلة المجتمعية والسياسية المتنامية للمليشيا التي فقدت حواضنها الإجتماعية في معظم مناطق دارفور وكردفان.. ولم يعد أمامها سوى القتال المباشر دون قدرة على حشد جديد أو إستنفار فاعل..قد يعيد لها بعض روح البدايات التي فقدتها في ظل تململ القيادات الأهلية الموالية لها وتنامي حركة الإستقطاب القبلي .. ووفق شهادات من الأهالي.. فإن محاولات إعادة التخشيد المجتمعي عبر المال والوعود إنهارت بالكامل..عقب إنكشاف جرائم النهب والقتل والتجنيد القسري..

(3)

الدبلوماسية.. البرهان في الدوحة..

في موازاة معارك الميدان..جاء الحراك الدبلوماسي عالي المستوى من خلال زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الدوحة..والمشاركة في القمة العربية الإسلامية التي مثلت عودة لصوت السودان الشرعي الفاعل في المنابر الإقليمية وأستمرار الحراك الوطني بالإتساق مع المحيط ..البرهان خاطب القمة بلغة واضحة ومباشرة.. مؤكداً تضامن السودان مع قطر ورفضه المساس بسيادتها.. اللقاءات الجانبية.. خصوصاً مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي..عكست محاولات جادة لإعادة التموضع السوداني في الإقليم..عقب الإنكفاء بسبب الحرب.. حضور السودان القوي في هذه القمة جاء في وقت كانت المليشيا تراهن فيه على عزلة الخرطوم الخارجية.. ما جعل الزيارة في نظر المتابعين رسالة مزدوجة: للسودانيين بأن دولتهم ما تزال قائمة.. وللخارج بأن السودان الرسمي له شرعية وموقع لا يمكن تجاوزه.

(4)

الرياض.. بوابة الإستثمار ..الإستقرار.. والإعمار..

على الضفة الأخرى من الدبلوماسية.. جاء التحرك عبر رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس الذي هبط العاصمة السعودية الرياض على رأس وفد وزاري رفيع..
الزيارة تناولت ملفات الاستثمار والإعمار.. وفتحت نقاشاً واسعاً حول مستقبل الإقتصاد السوداني بعد الحرب..السعودية أبدت اهتماماً واضحاً بقطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية.. وأشارت مصادر إلى إمكانية وضع برامج تمويل مشتركة لدعم إعادة الإعمار.. مراقبون رأوا في الزيارة محاولة لكسر الجمود الإقتصادي وإرسال إشارة للشركاء بأن السودان بدأ يضع خططاً واقعية للخروج من الأزمة..

وعكة كامل..إستراحة قصيرة ..غير مقلقة..

الزيارة شهدت تعرض رئيس الوزراء لوعكة صحية خفيفة.. إستدعت نقله إلى مستشفى بالرياض.. حيث خضع لفحوصات عاجلة.. قبل أن يغادر سريعاً بعد أن طمأن الأطباء على حالته..إدريس تماثل للشفاء فوراً.. واستأنف نشاطه بتغيير طفيف في جدول أعماله (ورد توضيح بإعادة جدولة برنامج الزيارة قريباً) فيما يبدو لإتاحة الفرصة للتعافي التام.. الأمر الذي حول الحدث إلى مجرد إستراحة قصيرة ضمن زيارة مثقلة بالملفات..

(5)

السياسة.. صمت الأحزاب ونشاط الحركات..

في المشهد الداخلي.. يكاد الفراغ السياسي يكون العنوان الأبرز.. فالأحزاب الكبرى تراجعت إلى مقاعد المتفرجين.. مكتفية ببيانات خجولة لا تحمل أي رؤية أو مشروع وطني جامع.. هذا الصمت يثير أسئلة عميقة حول جدوى بقاء هذه الأحزاب في المشهد أصلاً.. في ظل عجزها عن لعب أي دور تعبوي أو سياسي يوازي ما يجري في الميدان والدبلوماسية..

في المقابل..برزت الحركات المسلحة كفاعل أكثر حضوراً.. حركة العدل والمساواة على سبيل المثال..أصدرت أكثر من ثلاثة بيانات خلال الإسبوع الماضي.. أكدت فيها على دعم وحدة السودان ورفض مشاريع تفكيكه.. ورغم محدودية تأثير هذه البيانات على الأرض.. إلا أنها تضع الحركات في موقع سياسي أكثر نشاطاً مقارنة بالأحزاب التقليدية..

(6)

التحديات الإنسانية والصحية..

الوضع الإنساني يظل الهاجس الأكبر المنتقل من إسبوع لآخر ..تقارير ميدانية حذرت من تفاقم الأوضاع الصحية في مناطق النزوح.. مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.. حالات سوء التغذية وسط الأطفال تزايدت بشكل لافت.. فيما أطلقت منظمات أهلية مبادرات محدودة لتخفيف الأزمة..
العاصمة الخرطوم لازالت تعاني من تفشي كبير للأوبئة والأمراض وخاصة حمي الضنك والملاريا..
العودة الطوعية للنازحين ما تزال تحتفظ بتحدياتها إذ لا تزال بيئة القرى والمدن تفتقر للكثير من الخدمات.. من الأمن إلى الماء والكهرباء.

(7)

الإعلام والخطاب العام..

الإعلام الرسمي والمجتمعي لعب هذا الإسبوع دوراً لافتاً في تثبيت خطاب النصر.. تغطيات متواصلة لإنتصارات الجيش.. ومقاطع مصورة تُظهر إنهيار المليشيا.. شكلت أداة تعبئة معنوية مؤثرة..رغم بروز بعض مظاهر المخاشنات المتمثلة هنا وهناك..
في المقابل لم ينجح إعلام المليشيا في التماسك..خلال هذا الإسبوع إذ بدت رسائله متناقضة.. بين التهوين من خسائره والحديث عن معارك وهمية.. هذا التناقض زاد من حالة فقدان الثقة داخلياً وخارجياً..

(8)

المجتمع والتحمل الشعبي..

رغم الحرب المستمرة.. أظهر المجتمع السوداني قدرة إستثنائية على التحمل والصمود.. مبادرات محلية في الأحياء لتأمين المياه والغذاء.. حملات دعم للنازحين.. وحتى فعاليات ثقافية صغيرة في بعض المدن البعيدة عن خط النار..كلها مظاهر تؤكد أن المجتمع لا يزال يقاوم الإنهيار ويشكل خط الدعم الأول للقوات المسلحة والدولة لحسم هذه المعركة..لكن الضغوط المعيشية..من غلاء السلع إلى أنقطاع الخدمات.. تضع هذا الصمود في إختبار يومي عسير يتطلب سرعة إلتقاط من الدولة ومؤسساتها.. المراقبون يحذرون من أن إستمرار هذا الوضع قد يرهق المجتمع إلى درجة تُضعف خط المقاومة المدنية والنفسية..

(9)

القراءات المستقبلية..

حصاد هذا الأسبوع يضع السودان أمام معادلة معقدة:

في الميدان: الجيش يتقدم بخطى ثابتة.. لكن إستنزاف الحرب طويل الأمد يبقى تحدياً كبيراً يتطلب موزانة صعبة..

في السياسة: الفراغ يزداد.. وقد يفتح الباب أمام قوى جديدة تفرض وجودها..

في الإقتصاد: بوادر إنفتاح خارجي.. نجاحه مرهون بالإستقرار وتماسك الجبهة الداخلية..والندية..

في المجتمع: الصمود حاضر.. لكنه يحتاج إلى دعم رسمي أكبر..

المستقبل القريب مرهون بقدرة الدولة على تحويل هذه ال إنتصارات العسكرية والدبلوماسية إلى مكتسبات سياسية واقتصادية.. وإلا فإن المكاسب ستظل مؤقتة ومعرضة للتبديد.

أخيراً..

عناوين الإسبوع الماضي كانت : إنتصارات عسكرية متواصلة.. حراك دبلوماسي أعاد فتح الأبواب.. إقتصاد يتهيأ لمرحلة جديدة.. وسياسة غارقة في الفراغ..وبين كل ذلك.. يقف المجتمع السوداني متماسكاً رغم الجراح..

التحدي الأكبر يظل هو: كيف يمكن تحويل هذا الإختراق لمشروع وطني متماسك؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد مصير الأسابيع القادمة.. وربما مستقبل السودان كله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top