وصل مستويات غير مسبوقة من الانهيار أمام الدولار.. الجنيه السوداني.. فقدان الوزن والقيمة.. تقرير : إسماعيل جبريل تيسو

وصل مستويات غير مسبوقة من الانهيار أمام الدولار..

الجنيه السوداني.. فقدان الوزن والقيمة..
تقرير : إسماعيل جبريل تيسو

غياب للبنك المركزي، والسوق السوداء تتحكم في مصير العملة..

حكومة الأمل أمام امتحان عسير في مواجهة المشهد القاتم للجنيه..

د. هيثم: لابد من وقف طباعة النقود، وبناء احتياطيات من النقد الأجنبي..
يواصل الجنيه السوداني تدهوره أمام العملات الأجنبية للشهر الرابع على التوالي، وسط أزمة اقتصادية خانقة خلَّفتها الحرب وما رافقها من انهيار في البنية التحتية وتوقف الإنتاج وتراجع الصادرات مما أدى إلى فقدان العملة الوطنية ما تبقى لها من ثقة وقيمة، حيث ظل السوق الموازي يلتهم الجنيه السوداني مسجلاً ارقاماً فلكية وصلت مرحلة تأريخية تؤكد أن بنك السودان المركزي غائب تماماً عن المشهد المالي تاركاً السوق السوداء لتتحكم وحيدةً في تحديد مصير العملة الوطنية، إذ تحوّل الجنيه، الذي كان رمزاً لاقتصاد وطنٍ يكافح، إلى مجرّد ورق فاقد للوزن، يثقل كاهل المواطنين ولا يقيهم غلاء الأسعار ولا يضمن لهم أبسط مقومات الحياة.

مفارقة عجيبة:
ولعل من المفارقات العجيبة واللافتة للانتباه والتي تلفّ مسار العملة الوطنية، أن الجنيه السوداني ظلّ محتفظاً بقدر من الثبات أمام العملات الأجنبية طوال العام الأول للحرب، رغم اجتياح ميليشيا الدعم السريع للبنوك والمصارف ونهبها وتخريبها، ورغم استهداف المؤسسات الاقتصادية الكبرى من شركات ومصانع وتدميرها وإخراجها من الخدمة، ولكن العجيب أن هذا الاستقرار النسبي تبدّد لاحقاً بعد أن استعادت الدولة سيطرتها على النظام المصرفي وأعادت كبريات المؤسسات الاقتصادية إلى الإنتاج، لتأتي رياح الجنيه عكس ما تشتهي سفن الدولة، بتعرّضه إلى عملية انهيار مستمر! ويعزو خبراء اقتصاديون الخطوة إلى تضخم الكتلة النقدية في الأسواق، وغياب سياسة نقدية رصينة من البنك المركزي، إضافة إلى تفشي المضاربات في السوق الموازي، ما جعل أي عودة إنتاجية أو إصلاح مصرفي غير كافٍ لكبح انزلاق الجنيه السوداني أمام الدولار.

فوضى وفقدان الثقة:
ويجمع محللون اقتصاديون على أن انهيار الجنيه السوداني لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مباشر لاستمرار الحرب منذ منتصف أبريل 2023م، حيث عطّلت الإنتاج وأغلقت سلاسل الإمداد وأرهقت الاقتصاد المنهك أصلاً، كما أدّى تفكك النظام المصرفي وتراجع التحويلات الرسمية، إلى ترك الساحة كاملة للسوق الموازي، ما جعل الجنيه رهيناً للمضاربات والتجاذبات، هذا فضلاً عن غياب سياسة نقدية رشيدة، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، وانهيار ثقة المواطنين في العملة الوطنية بوصفها مخزناً للقيمة، مما دفعهم إلى الهروب نحو الدولار والذهب كملاذات آمنة.

خيارات إنقاذ الجنيه:
وتبدو حكومة الأمل بقيادة الدكتور كامل إدريس أمام امتحان عسير في مواجهة هذا المشهد القاتم، فإما أن تنجح الحكومة في محاصرة النزيف عبر إجراءات عاجلة تعيد ضبط السوق وتستعيد الثقة، أو أن تترك الاقتصاد ينهار أكثر في دوامة لا تنتهي، ووفقاً لاقتصاديين فإن الخطوة الأولى تقتضي إعادة هيكلة النظام المصرفي وتفعيل أدوات البنك المركزي، مع فرض رقابة صارمة على حركة النقد الأجنبي، وفي المدى المتوسط، لا بد من التعويل على الأصدقاء من الدول الشقيقة لمد يد العون العاجل، والانفتاح على مؤسسات التمويل الدولية بشروط تحفظ سيادة القرار الوطني، ذلك أن السودان، المنهك بالحرب، لم يعد يحتمل المزيد من التآكل الاقتصادي، وإن لم يُبذل جهد استثنائي، فقد يصل الجنيه إلى مرحلة اللا عودة، تاركاً وراءه اقتصاداً مشلولاً وشعباً يرزح تحت وطأة الانهيار.

سياسة نقدية شفافة:
ويرى الخبير الاقتصادي دكتور هيثم فتحي أن استقرار الجنيه السوداني لن يتحقق إلا عبر سياسة نقدية فعالة وشفافة يتبناها بنك السودان المركزي، ترتكز على السيطرة على التضخم، ووقف طباعة النقود بلا غطاء، وبناء احتياطيات من النقد الأجنبي لتخفيف الصدمات الخارجية، وشدد دكتور فتحي في إفادته للكرامة على ضرورة تشجيع الصادرات وخفض الواردات عبر دعم الصناعات المحلية، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين، ومكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة، وأبان دكتور فتحي أن التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، يمكن أن يوفر دعماً فنياً ومالياً يعزز مصداقية السودان في الأسواق العالمية، ويجذب الاستثمارات الأجنبية، لافتاً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب حلولاً شاملة سياسية واقتصادية واجتماعية تستند إلى استغلال إمكانيات البلاد الكبيرة في الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن، بما يضمن إعادة التوازن للاقتصاد واستقرار العملة الوطنية.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر فإن التدهور المتسارع للجنيه السوداني لم يعد يحتمل المسكنات المؤقتة، بل يحتاج إلى خطة إصلاح متكاملة تتبناها «حكومة الأمل» بإرادة سياسية واضحة، وبرامج اقتصادية واقعية تعيد الثقة في المؤسسات، وتوقف نزيف العملة، وتضع السودان على أول طريق التعافي والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top