صورهم هزت الضمير الإنساني ..
اطفال الفاشر.. البراءة تحت الرماد..
كتب :رحمة عبدالمنعم
حين احترقت الطفولة.. سقطت آخر أقنعة ادعاء الإنسانية..
رصاصة في قلب طفل… وصمتٌ في وجه أمّ :. صور من شمال دارفور ..
في المستشفيات… الموت يطغى على الرحمة، وعيون الأطفال تروي المأساة
دموع الأطفال واحتضان الأمهات… فاشر السلطان تصرخ من تحت الركام
هذه الصور ليست مجرد لقطات عابرة من الحرب في الفاشر … إنها شظايا من وجعٍ لا يندمل، وشهادات صامتة على انحدارٍ مرعب في إنسانية من حملوا السلاح لقتل الضعفاء.
في الصورة الأولى، تتجمد الكلمات عند حدود الدهشة والحزن،طفلتان تجلسان على أرضٍ ملطخةٍ بالدماء، في ممرّ المستشفى السعودي بالفاشر،والذي كان يوماً مكان للحياة، فحوّلته مليشيا الجنحويد إلى مسرحٍ للجريمة، حولهما أجسادٌ لفظت أنفاسها الأخيرة، وملابسٌ ممزقة، ورائحة موتٍ تسكن الجدران،لا شيء في أعين الطفلتين سوى الخوف الممزوج بالذهول — كيف يمكن لعالمٍ يُفترض أن يحميهما أن يتحوّل إلى هذا الجحيم؟ من كان يُمسك بيده الضماد ليطبّب الجرح، صار هدفًا للرصاص، الأطباء والممرضون سقطوا واحدًا تلو الآخر، فقط لأنهم أدّوا قسم الإنسانية.
وفي الصورة الثانية، تمتد المأساة، أمٌّ تحتضن طفلها الصغير، حين باغتتها عربات مليشيا الدعم السريع في مدينة السلاطين،لم تصرخ، لم تركض، لم تطلب الرحمة — فقط جلست على الأرض وضمّت ابنها إلى صدرها بكل ما تبقّى من غريزة الأمومة فيها، كأنها تريد أن تُعيده إلى رحمها لتحميه من الرصاص،لكن الرصاص لا يعرف الرحمة، أطلق أحد عناصر مليشيا الدعم السريع النار — ليس على الأم، بل على قلبها الذي كان في حضنها. سقط الطفل شهيداً، وبقيت هي تنبض حيّة… لا كرامةً لها، بل عقوبةً، ليتركها الجاني تعيش الألم كاملاً، وتظل شاهدةً على وحشيةٍ لا نظير لها.
وفي صورةٍ ثالثة، طفل يحتضن شقيقته الصغرى الدموع تغرق وجهيهما الصغيرين، بعد أن شاهدَا بأعينهما تصفية أسرتهما على يد ذات المليشيا،لا يد تمتد لتمسح دموعهما، لا بيت، لا دفء، لا وطن،فقط ركامُ صمتٍ يملأ المكان، وطفولةٌ تُساق قسراًإلى دروس الفقد الأولى.
هذه الصور الثلاث ليست حوادث منفصلة، بل هي فصول من مأساةٍ واحدة اسمها الفاشر، مأساة ترويها وجوه الأطفال لا نشرات الأخبار، ويكتبها الدم لا الحبر،كل ممرّ في المستشفى السعودي بالفاشر، وكل أمّ مفجوعة في صحراء غرب السودان، وكل طفلٍ فقد أسرته، هو سطرٌ جديد في سجلّ جريمةٍ لا يجب أن تُنسى..
مجازر الجنجويد، كما تظهر في هذه الصور، لم تعد مواجهة بين مقاتلين؛ بل صارت حربًا ضدّ الرحمة نفسها، ضدّ معنى الإنسان..إنها لحظة يتداعى فيها الضمير العالمي — فكل من يصمت أمام هذه المشاهد، شريكٌ في الجريمة ولو بكلمةٍ غائبة.
ستبقى هذه الصور، مهما حاولوا طمسها، تصرخ في وجه العالم:هنا، في الفاشر ودارفور، لم تُقتل الأجساد فقط… بل قُتلت البراءة، والمروءة، وكل ما يجعل الإنسان إنسانًاً.






