هناك فرق
مني أبوزيد
العقل الذي يعيد الحرب والعقل الذي ينهيها..!
*”التاريخ لا يكرر نفسه، نحن الذين نكرره حين نرفض أن نتعلم، حين لا ندرك أن الحروب لا تُطفئها الاتفاقيات، بل الوعي الجديد”.. الكاتبة..!*
في لحظات الانهيار الوطنية الكبرى، يولد السؤال الأهم، كيف نعيد بناء أنفسنا أولاً؟. فالحروب لا تبدأ من فوهات البنادق، بل من اختلال صامت في منظومة الأفكار. وما لم نملك شجاعة مراجعة ما استقر في الوعي الجمعي من أوهام وتحيزات، فلن نخرج من دائرة الخراب، بل سندور فيها بأسماء جديدة وأقنعة مختلفة..!
الجرأة في مراجعة المألوف ليست فعلاً فكرياً فحسب، بل هي حالة وجدانية تسبق كل إصلاحٍ حقيقي. إنها لحظة مواجهة الذات حين تدرك أن ما تسميه هوية ربما لم يكن سوى عقدة اجتماعية غير محلولة..!
من هنا فقط يبدأ التغيير من الفرد الذي يقرر أن يرى نفسه كما هي، لا كما ورثها. ذلك أن الخراب، في جوهره، فكرةٌ خاطئة استقرت في عقل لم يُراجع ذاته، والنهضة فكرة صحيحة امتلكت شجاعة البدء منذ أمد، ومن الداخل..!
فكرة الجرأة في مراجعة المألوف والمعروف بعد مراجعة النفس هي حال وجودية تسبق الشروع في التغيير على مستوى الأفراد قبل أن يشمل ذلك التغيير الجماعات والمجتمعات. وهي بهذا المعنى تتسق – أيضاً – مع مفهوم المؤرخ الفرنسي الشهير “جوستاف لوبون” عن التغيير الاجتماعي الذي يؤكد أنه يبدأ على مستوى الأفراد، لذلك يجب أن يكون المجتمع تابعاً للفرد..!
وبحسب بعض فلاسفة التاريخ أمثال “هيجل” و”كانت” يعتمد النجاح في التغيير على نوعية عقول المجتمعات. فهنالك عقل دائري وهنالك عقل خَطِّي. العقل الدائري هو الذي يناقش نفس المشاكل المجتمعية ويعود إلى مناقشتها من جديد دون أن يجد لها حلولاً. بينما العقل الخَطِّي – أو المستقيم – هو العقل المتجاوز الذي ينطلق من المشكلة ويتطور في مراحل تفكيره فيها ثم يصل إلى الحل. وهنا لا يعيد الزمن نفسه بل يكون التاريخ تقدمياً..!
في مجتمعنا المحلي مفاهيم خاطئة سادت قبل اندلاع هذه الحرب والحروب التي سبقتها بأزمان بعيدة، وكانت من أسباب تأجيجها إن لم تكن هي التي أشعلتها. وقد آن لهذه المفاهيم أن تصحح . والتصحيح يكون بأن تقوم مجموعة أفراد بتبني مبدأ التغيير والارتقاء بوعي الجماعة في مواجهة كل المسلَّمات الاجتماعية الخاطئة والأعراف الفاسدة..!
أبرز تلك الادواء الاجتماعية هي الطبقية الاجتماعية على أساس الإثنيات والقبائل والأوهام المتوارثة بشأن النقاء العرقي في وطن خلاسي الملامح برزخي الهوية. والسياسات الخاطئة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة لإدارة التنوع في بلد تسكنها مجموعة أمم تجمعها دولة..!
أما التمييز على أساس العنصرية أو الأيديولوجيا في حكم الدولة السودانية فهو حبكة درامية ليس إلا، ذلك أن التهميش في حكم السودان سلطوي، والتمييز كان ولا يزال على أساس السلطة “فئة حاكمة تمارس التهميش على فئات غير حاكمة”. هذا هو الواقع الذي ينبغي أن يحوله التغيير القادم إلى تاريخ لن يتكرر..!
munaabuzaid2@gmail.com






