حدود المنطق.. إسماعيل جبريل تيسو اليوم المفتوح لجنوب كردفان… حينما صار التلفزيون وطناً مؤقتاً..

حدود المنطق..
إسماعيل جبريل تيسو

اليوم المفتوح لجنوب كردفان… حينما صار التلفزيون وطناً مؤقتاً..

تسمّرتُ أمام الشاشة البلورية لتلفزيون السودان لساعاتٍ طويلة يوم أمس الأول (الثلاثاء)، ونحن في الغربة، كأنما أتشبث بخيط ضوء يصلني بالوطن، كانت الدموع تتناوب بين الحسرة والحرقة والشوق والشجن، وأنا أتابع الفقرات البديعة والعميقة والمتنوعة لليوم المفتوح الذي خصّصه التلفزيون القومي لولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، لم يكن بثاً عادياً، بل كان مساحة تضامن ونصرة لمواطنين عالقين بين سندان الحصار وتداعياته القاسية، ومطرقة الشائعات التي تبثها غرف الميليشيا المتمردة عن اقتراب تحالف (الحلو–دقلو) من اجتياح مدينتي الدلنج وكادقلي، وما يصاحب ذلك من مخاوف إعلان جبال النوبة مستعمرة خاصة لآل دقلو، تمهيداً لعمليات قتل على أساس النوع، وتهجير قسري، ومشروع تغيير ديموغرافي يطال الإنسان قبل الجغرافيا، من لقاوة وحتى كاودا.

جاءت فكرة اليوم المفتوح ثمرة تخطيطٍ واعٍ من مبادرة نداء جنوب كردفان/جبال النوبة – أبيي، التي أطلقتها الآلية التحضيرية لدعم المنطقة التي ترزح تحت وطأة أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة والتعقيد، كان الهدف واضحاً: فتح طرق الإمداد، إيصال المعونات، تقديم الدعم للقوات المسلحة والتشكيلات المساندة لها، ورفع المعاناة عن كاهل مواطني المنطقة الذين يواجهون الحصار وانقطاع الاحتياجات الأساسية، وقد نجح اليوم المفتوح (بشهادة القائمين عليه) في تقديم صورة ثلاثية الأبعاد: للرأي العام العالمي، ولأبناء جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة في الداخل والخارج، ولمتخذي القرار في المركز، لتذكيرهم بأن إنقاذ المنطقة ليس ترفاً سياسياً بل واجب وطني عاجل، ولا يفوت هنا تقديم الشكر والتقدير للجنة الإعلامية المكلفة بتنفيذ اليوم المفتوح بقيادة الأستاذ نوراني محمد عبد الرحمن، وعباس إدريس، ونسرين خليفة نمر، وأسماء مكي، على جهدٍ مهنيٍ صبور أعاد القضية إلى واجهة الوعي.

قدّم اليوم المفتوح برامج تعريفية ثرّة عن بعض مناطق جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة: عن السكان والتاريخ، الثقافة والموروث الفني، الإمكانيات والقدرات، الثروات الزراعية والحيوانية والموارد المعدنية، لكنه قبل ذلك كله أعاد الاعتبار لقيمة الإنسان، الذي تحدّث بصلابة عن ثباته في أرضه، واستعداده للدفاع عنها والموت دونها، مؤكداً أن وجود القوات المسلحة يمثل صمام أمان، وأنه سيظل سنداً ودعماً للجيش بالاستنفار وحمل البنادق، والتزام الميادين والخنادق، وكان لافتاً التزام إدارة التلفزيون بمبدأ “إعطاء الخبر لخبازه”، بإسناد التقديم والإعداد لأبناء الإقليم: محمد الزبير، سوسن عبد الرحمن، والمراسل آدم سالم، وفي الإعداد سبت إسماعيل ودا، وأسماء مكي، الأمر الذي أضفى على اليوم نكهة خاصة باختيار ضيوف اتسقوا تماماً مع طرح وأهداف اليوم فأكملوا اللوحة، وليت القائمين على أمر البرمجة نفذوا بثاً مشتركاً مباشراً مع استديوهات كادقلي لكانت الصورة قد أخذت بُعداً جمالياً تأطرها دلالةُ المكان الذي يحاول المرجفون في المدينة إفراغه من أهله، عموماً انطلق اليوم (مفتوحاً) على شارع الجمال حيث تلوّنت الشاشة البلورية بإطلالة صباحية للمذيعة زينب إيرا في صباح السودان، مروراً بـنبض الوطن الذي أظهرت فيه المذيعة نوال آدم حباً جارفاً لكردفان، وصولاً إلى السهرة التراثية التي أبدع في تقديمها منتصر الأمين، هذا فضلاً عن لقاءات هنا وهناك، ومحطات وفواصل كانت بمثابة البهار الذي زاد نهكة اليوم المفتوحة جمالاً وإبداعاً، وقد جرى الترتيب لكل هذا الإدهاش وصناعته على عيني قيادة التلفزيون ممثلة في المدير العام الأستاذ إبراهيم البزعي، ومدير القطاع الأستاذ الوليد مصطفى، ومدير البرامج الأستاذ محمد خير عمر، ومدير العمليات الأستاذ محمد سفيان، فاستحقوا جميعاً التحية، وعبرهم ترفع القبعات لفريق العمل من المنتجين، والمخرجين والمصورين، وفنيي المونتاج، وجميع العاملين، في بورتسودان، وجنوب كردفان.

ويُحسب لتلفزيون السودان أنه استفاد من تجربة الحرب باستعادة الكثير من ملامحه القومية، بإتاحة مساحات معتبرة للولايات، لا سيما المناطق المتأثرة بالحرب والحصار، وقد شهدنا هذا النهج من قبل مع فاشر السلطان، ويتجسد اليوم في جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، ويتعزز يومياً عبر شبكة مراسلين تنقل نبض النيل الأزرق، والشمالية، ونهر النيل، والقضارف، وسنار، وشمال وغرب كردفان وغيرها، إن القومية هنا ليست شعاراً، بل ممارسة مهنية تعيد توزيع الضوء بعدالة، وتكسر مركزية السرد، وتُشعر المواطن في الأطراف بأنه مرئي ومسموع، هكذا يُبنى الوجدان الوطني: حين يرى السوداني وطنه كاملاً على الشاشة، بتنوعه وآلامه وآماله، فيتراجع خطاب الجهوية، ويتقدم الإحساس بالمصير المشترك،

إن اليوم المفتوح لجنوب كردفان – إقليم جبال النوبة كان بمتعته وساعاته الطوال (وطناً مؤقتاً) احتمينا فيه من قسوة الغياب، والاغتراب القسري، فقد أعاد إلينا الثقة في الإعلام حين يكون منحازاً للإنسان، وفي الوطن حين تُروى حكايته بصدق، هو تذكير بأن جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، ليست خبراً عابراً، بل قلبٌ نابض من قلوب السودان، وأن إنقاذها إنقاذ لكل السودان، وحين ينجح التلفزيون القومي في جمع الرومانسية بالصحافة، والوجدان بالمعلومة، فإنه لا ينقل الحدث فحسب، بل يشارك في صناعته، ويمنح فرصة للأمل والبقاء، وما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top