قراءة تحليلية
احمد عبدالصمد
لماذا قالها الرئيس القائد الآن؟
القانون كحد فاصل بين الدولة والفوضى
في خضم حربٍ لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والتأويل، جاء تصريح رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حول نزع الجنسية والأوراق الثبوتية، ليعيد ضبط الإيقاع الوطني في مرحلة دقيقة تستدعي التفريق الصارم بين الحسم المشروع والانفعال، وبين العدالة القانونية وأي توظيف خارج مؤسساتها.
لم يكن التصريح عابرا، ولا دفاعا عن متهمين، ولا تراجعا عن معركة وجود تخوضها الدولة السودانية، بل كان ترسيما دقيقاً لخط أحمر:
الدولة تحارب لكنها لا تنتحر قانونيا.
القانون لا المزاج…
أول ما يلفت في حديث البرهان أنه لم ينكر وجود إجراءات نزع الجنسية، بل أكد أنها منصوص عليها في القانون. هذه الإشارة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز، فهي تنزع سلاح التشكيك من يد من يروج لفكرة أن الدولة تدير ملفات السيادة بعقلية استثنائية أو انتقامية.
الدولة التي تحترم قوانينها، حتى في زمن الحرب، تقول للعالم ولشعبها معاً:
نحن لا نُبدل القواعد كلما اشتد الضغط، ولا نُسخر القانون لتصفية الحسابات.
الأوراق الثبوتية جوهر الدولة: الرسالة الأعمق والأكثر حساسية ووضوحا في التصريح كانت التأكيد على عدم جواز حرمان أي شخص من حقه في الأوراق الثبوتية.
هنا لا نتحدث عن إجراء إداري، بل عن فلسفة حكم.
الأوراق الثبوتية ليست منحة من السلطة، بل اعتراف الدولة بوجود الفرد القانوني. حين تتحول هذه الأوراق إلى أداة عقاب، تنتقل الدولة خطوة خطيرة نحو منطق المليشيا، حيث يُمحى الخصم إداريا قبل أن يُدان قضائيا.
بهذا المعنى، كان حديث الرئيس القائد ترسيما للفارق الجوهري بين الدولة والمليشيا:
دولة تُحارب لتبقى دولة، ومليشيا تُحارب لأنها لا تؤمن بالدولة أصلاً
القضاء… الطريق الوحيد
حين شدد القائد العام على أن من عليه بلاغات أو اتهامات طريقه النيابة ثم القضاء، فهو لم يُخفف من الحسم، بل أعاد تعريفه.
الحسم الحقيقي ليس في القوائم المتداولة، ولا في المحاكم الافتراضية، ولا في ضغط الرأي العام، بل في ملف قانوني مكتمل الأركان، وحكم قضائي لا يُطعن في شرعيته.
وهنا تكمن قوة الدولة: أن تُحاسب بلا صوت عالي،
وتُدين بلا استعراض، وتنتصر دون أن تُشبه خصومها.
التباين في ردود الفعل… وفرصة لترسيخ القانون،
القرار أثار ردود أفعال متباينة: ارتاحت له بعض الأطراف السياسية، بينما عبر جزء من الشعب عن غضبه، مطالبا بضمان الحقوق القانونية.
هذا التباين يؤكد ضرورة التفريق بين الانفعال والغضب المشروع، والالتزام بالقانون ومؤسسات الدولة كمرجع وحيد لتحقيق العدالة.
القانون واضح وشامل، ولا مجال لأي طرف لتجاوزه، مهما كانت مواقفه السابقة أو مصالحه السياسية.
هنا يظهر دور القيادة الرشيدة في تحويل ردود الفعل المختلفة إلى وعي بالقانون والعدالة، بدل أن تتحول إلى أداة استغلال من الخصوم داخلياً وخارجياً.
لماذا الآن؟
التوقيت هو بيت القصيد.
التصريح جاء ليغلق ثغرة كان يمكن استغلالها خارجيا لتشويه صورة القوات المسلحة باعتبارها سلطة انتقام، وداخليا لحماية داعميها من ممارسات متحمسة لكنها تضر بالقضية الوطنية أكثر مما تخدمها.
الخلاصة:
الرئيس القائد لم يقل (تسامحوا ولم يقل تراجعوا)، بل قال بوضوح لغة الدولة:
احسموا… لكن بالقانون.
حاسبوا… لكن عبر القضاء.
انتصروا… دون أن تخسروا فكرة الدولة.
وهي رسالة تتجاوز اللحظة، لتؤكد أن معركة السودان ليست فقط مع مليشيا متمردة، بل مع كل ما يهدد معنى الدولة نفسها.
ومن يفهم ذلك، يدرك أن هذا الخطاب ليس تهدئة… بل أعلى درجات الحسم المسؤول.




