آخر الإسبوع
علم الدين عمر
ملامح المشهد.. وملفات تعود ببطء للواجهة ..
السودان .. إختراق الرياض ومسارات الحرب والسياسة..
الميدان العسكري: تقدم محسوب وتآكل صامت للمليشيا..
الأزمة المدنية: فراغ سياسي يتسع و مساحة تنفيذية تتقدم..
الإقليم والاقتصاد : إنتظار التسوية أم تمويل الفوضى ؟؟!!..
زيارة البرهان إلى السعودية: أكثر من بروتوكول سياسي..
(1)
في مشهد إقليمي شديد الاضطراب.. جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية لتلفت الإنتباه كحدثً دبلوماسي ..سياسي..متعدد المسارات والأوجه والقراءات.. كإشارة سياسية مركبة تحمل ما هو أبعد من صورة الخبر..
الزيارة..التي جرت على مستوى رفيع..وتماس مباشر أعادت فتح ملف السودان داخل واحدة من أكثر العواصم تأثيراً في الإقليم.. وفي توقيت يتسم بتآكل الخيارات..أو إنسداد الأفق أمام معادلة الدولة وسيادتها وتنازلاتها في ظل إصرارها علي موقفها ..وتراجع قدرة الأطراف الداخلية على إنتاج مخرج ذاتي للأزمة..وتنامي حركة الدبلوماسية والتفويض الشعبي المتزايد للجيش..
الرياض..التي راكمت خلال السنوات الأخيرة خبرة في إدارة الملفات المعقدة.. لا تتحرك عادة بدافع المجاملة السياسية.. ولذلك فإن إعادة السودان إلى طاولة النقاش السعودي تعكس إدراكاً متقدماً لأن إستمرار الحرب وتحديات المليشيات ودعمها بات يهدد أمن البحر الأحمر،د..ويُبقي واحدة من أهم الدول الإفريقية رهينة للفوضى المسلحة..وبالتالي تهدد الأمن والسلم العالمي والإقليمي..
بعيداً عن التصريحات الرسمية..فإن الزيارة تُقرأ في سياق أوسع:
تحول إقليمي من إدارة الأزمات إلى تقليصها.. ومن الرهان على الفاعلين غير النظاميين إلى محاولة إعادة الاعتبار للدولة بوصفها الإطار الوحيد القابل للاستدامة..
وليقرأ الأمر في سياقه الموضوعي والصحيح فإن ذلك لا يعني بالضرورة دعماً غير مشروط..لكنه يعكس تغير زاوية النظر إلى الصراع السوداني..
الأهم أن الزيارة جاءت في وقت الإنهاك العام للمتقاطعين مع المشهد السوداني ..
الجيش أعاد تموضعه وحصل علي تفويض شعبي للإستمرار في المعركة مايشي بإستعداده لحرب طويلة..والمليشيا استنزفت قدرتها على المناورة..والقوى المدنية فقدت كثيراً من رصيدها..بينما يرزح المجتمع تحت ضغط معيشي خانق.. في مثل هذا المناخ.. تصبح أي نافذة سياسية—مهما كانت ضيقة—ذات قيمة إستراتيجية..
(2)
الميدان العسكري: تقدم بطيء…إنتصارات ..وإنكسارات بلا ضجيج..
على الأرض.. لا يبدو المشهد العسكري درامياً كما تصوره بعض المنصات الدعائية.. لكنه في الوقت ذاته ليس ثابتا..
القوات المسلحة تواصل تحقيق تقدم محسوب في عدد من المحاور..مستفيدة من تفكك خطوط الإمداد لدى المليشيا.. ومن تراجع قدرتها على الإحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها سابقاً بالقوة والرهبة..
المفارقة أن أخطر ما تواجهه المليشيا اليوم ليس الضربات المباشرة.. بل التآكل البطيء:
إنشقاقات داخلية.. صراعات قيادة.. ضعف التمويل..وتزايد النقمة المجتمعية في المناطق التي عانت من الانتهاكات والنهب..
هذا التآكل لا يظهر في بيانات الإنتصار المزعوم لكنه يتجلى في عجز المليشيا عن تحويل السيطرة المؤقتة إلى واقع مستدام…
في المقابل..يدرك الجيش أن الحسم العسكري الكامل مكلف..وأن المعركة لابد أن تُكسب بالسلاح وحده.د والبلوماسية والسياسة ..لذلك يميل الأداء العسكري في الأسابيع الأخيرة إلى إدارة التقدم وليس الإندفاع..مع ترك مساحات للضغط السياسي والدبلوماسي ليقوم بدوره..
هذا التوازن الدقيق—بين الميدان والسياسة—هو ما يجعل زيارة البرهان للرياض ذات دلالة إضافية:
فالميدان يهيئ الأرضية.. لكن السياسة وحدها قادرة على إختراق الحرب..
(3)
المليشيا تحت الضغط: عزلة سياسية وتضييق دولي..
أحد التحولات اللافتة هذا الإسبوع هو تراجع الخطاب الدولي المتسامح مع المليشيا..
لم يعد الحديث مقتصراً على «القلق» و«الدعوة لضبط النفس»، بل بدأ يتجه—ولو بحذر—نحو تحميل المسؤولية عن الانتهاكات الممنهجة.. خاصة في دارفور وأطراف العاصمة..
تقارير المنظمات.. والشهادات الميدانية، وضغوط الرأي العام.. كلها عوامل دفعت عدداً من العواصم إلى إعادة تقييم مقاربتها..
فالمليشيا.. التي حاولت تقديم نفسها كفاعل سياسي بديل.. فشلت في تجاوز صورتها كقوة مسلحة منفلتة..تعتمد على العنف والإقتصاد الموازي أكثر مما تعتمد على أي برنامج سياسي..
العزلة لا تعني القطيعة الكاملة.. لكنها تضيق هامش الحركة.. ومع تضييق هذا الهامش.. تفقد المليشيا إحدى أهم أوراقها..الشرعية الزائفة التي حاولت صناعتها عبر الإعلام والعلاقات العامة..
(4)
الأزمة المدنية: فراغ يتسع وخطاب يفقد تأثيره..
في الجانب المدني.. تبدو الصورة أكثر قتامة..
القوى السياسية التي رفعت شعارات التغيير وجدت نفسها عاجزة عن مواكبة تعقيدات الحرب..
تحالفات تفككت.. خطابات استهلكت.. ورهانات سقطت تباعاً..
المشكلة لم تعد في أختلاف البرامج..بل في غياب الوزن السياسي الحقيقي..
فلا جماهير منظمة.. ولا رؤية جامعة.. ولا قدرة على التأثير في موازين القوة..ولا إتفاق غلي حد أدني من الثوابت..
وبينما انشغلت بعض القوى بإعادة إنتاج خطاب ما قبل الحرب.. تجاوزها الواقع.. وفرض أسئلة أكثر مباشرة تتعلق بالدولة.. والأمن..وبقاء المجتمع نفسه..
هذا الفراغ المدني هو أحد أخطر مخرجات الحرب..لأنه يترك الساحة بين فاعلين مسلحين.. ويؤخر إمكانية الإنتقال إلى مسار سياسي متوازن..
ولعل أحد أهداف الحراك الإقليمي الحالي هو البحث عن صيغة سياسية جديدة..تتجاوز النخب المستهلكة..دون القفز فوق مطلب المشاركة المدنية لاحقاً…
(5)
الإقتصاد: توقف الإنهيار… وانتظار السياسة..
إقتصادياً..لا يمكن الحديث عن تعافي. لكن ثمة مؤشرات على توقف الإنهيار المتسارع..
الأسواق في حالة ترقب..ورؤوس الأموال—المحلية والإقليمية—تنتظر إشارة إستقرار سياسي ولو جزئي..بينما المالية تحاول ترتيب المشهد ببعض الإجراءات المتعلقة بالضرائب والجمارك..
بدا أن الرسالة الواضحة..
لا أحد مستعد لتمويل حرب مفتوحة..لكن كثيرين مستعدون لدعم آلية حسم عسكري أو سياسي تضع حاً للفوضى..وتمكن الجيش من فرض إرادة الشعب..
وهنا يتقاطع الاقتصاد مع السياسة..وتصبح الزيارات الدبلوماسية جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإعادة دمج السودان في محيطه الطبيعي..
(6)
الإقليم يعيد ترتيب أولوياته..
الإقليم، الذي كان ينظر إلى السودان بوصفه ملفاً مؤجلاً..بدأ يعيد حساباته..
ليس بدافع الشفقة بل بدافع المصلحة..
فدولة منهارة على البحر الأحمر ليست خياراً مقبولاً.. وحرب طويلة تعني مزيداً من الهجرة..والتطرف.. والإقتصاد غير المشروع..وسطوة المليشيات الخطيرة علي التماسك المجتمعي والإستقرار..
من هنا، يمكن فهم زيارة البرهان للرياض باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب إقليمية.. لا تزال في بداياتها.. لكنها تحمل ملامح تحول حقيقي..
خلاصة آخر الإسبوع..
الإسبوع المنصرم لم يحمل حلولًا نهائية.. لكنه كشف عن تحول في المزاج السياسي..
من إدارة الأزمة.. إلى البحث عن إنهائها..
ومن الرهان على الفوضى..إلى محاولة إعادة بناء الدولة..
الطريق لا يزال طويلاً فيما يبدو..لكن السياسة—ولو ببطء—تعود إلى واجهة المشهد السوداني..بعد أن أنهكت الحرب الجميع..بلا استثناء..
ما ينقلنا إلي إسبوع آخر في المشهد السوداني ربما يحدث فرقاً في المجمل ويعيد ترتيب الاولويات علي الطاولة..






