حاجب الدهشة
علم الدين عمر
جولات رئيس الوزراء..أعمال الدولة وتفويض الشعب..هام وعاجل ونصف خطير!!
..ولأن معركة الكرامة في طبيعتها هي حرب مفتوحة تحاول الدولة من خلالها إعادة تعريف ذاتها فإن زيارات وجولات رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس تبدو وكأنها تخضع لإختبارات لا علاقة لها بطبيعة الحال ولا بحدود المنطق.. قراءات متعجلة.. نبوءات فائضة.. وشائعات تتكاثر كلما تحرك الرجل خطوة إلى الأمام..كأن المطلوب من رئيس الوزراء أن يعمل تحت الأضواء الكاشفة علي الدوام..وأن يشرح كل حركة قبل أن تكتمل.. وكل وجهة قبل أن تبلغ غايتها.. وذلك في عُرف الدول التي تخوض معارك وجودية..علي مر التاريخ ترف خطير قد يكون من أسباب الهزيمة..
الدكتور كامل إدريس لا يقوم بجولات علاقات عامة.. ولا يبحث عن تصفيق جماهيري..الرجل يؤدي عملاً معقداً في ظرف بالغ الدقة شديد التوتر.. تتقاطع علي طاولاته السياسة مع الحرب..والدبلوماسية مع الأمن.. والإقتصاد مع بقاء الدولة.. هذه تعقيدات إدارة شاملة لأزمة شاملة..المعركة لم تعد عسكرية فقد تجاوز الزمن هذه المحطة بعد نيف وثلاث سنوات.. صارت معركة إرادة..وشرعية.. ووجود وموقع في عالم يمور بالتحديات والتحولات..
الميل إلى العمل في الخفاء ليس عيباً ولا مدعاة للريبة..هي طبيعة الأشياء حين تكون الملفات حساسة.. والمسارات متداخلة..والخصوم كُثُر..فالدول لا تُدار على الهواء مباشرة.. ولا تخوض معاركها الكبرى في نشرات الأخبار..هناك ما يُقال.. وهناك ما يُؤجل.. وهناك ما لا يُقال إلا حين يكتمل أثره.. من لا يفهم هذه القاعدة.. يخطئ قراءة المواقف.. ويظلم القائمين على أمرها..
الشعب السودان وهو يتوق إلى نصر كامل وعزيز..من حقه أن يسأل..وأن يراقب.. وأن يقلق..لكن من واجب الإعلام والرأي العام أيضاً أن يدركا أن الصورة التي تُرى ليست هي كل الصورة.. التركيز المفرط على يوميات إدارة الدولة..وعلى تفاصيل حركة المسؤولين..وعلى تخمين ما وراء كل زيارة..لا يخدم المعركة ولا يعضد موقف الدولة..بل قد يتحول – من حيث لا يحتسب البعض – إلى عبء إضافي في وقت لا بحتمل الإرباك..
الدور الحقيقي للإعلام الوطني في هذه المرحلة ليس ملاحقة الشائعات ولا تضخيم القراءات الكسولة..بل تهيئة المجتمع.. وتبصيره بمطلوبات المرحلة..وشرح تعقيداتها دون تهويل أو تبسيط مخل.. إما أن يكون الإعلام شريكاً في دعم الدولة.. بإبداء الرأي المسؤول فيما هو متاح..وبالنقد المهني المنضبط..أو أن يختار موقعاً آخر ويخوض معركته على بصيرة كاملة..المنطقة الرمادية لا تنتج إلا التشويش..
لقد حمل الدكتور كامل إدريس رؤية السودان إلى مشروع الحل الشامل..فأنطلقت الشائعات كأنها رد فعل تلقائي على أي محاولة للخروج من أسر التعثر والتخبط الوطني الذي ساد خلال الفترات الأولي من عمر المعركة.. بدأت قراءات تُخذل الدولة.. وتشكيك لا يستند إلى معطيات..ثم – على نحو أكثر إيلاماً – خرجت أصوات من داخل الصندوق تشارك في جلد الذات..قبل أن تبدأ حملات مضادة لا تقل ضجيجاً ولا سطحية..والنتيجة.. عرض سيئ على مسرح العبث..
هذا المناخ لا يخدم نصراً..ولا يبني دولة.. ما تحتاجه البلاد اليوم هو حد أدنى من الثقة في مؤسساتها..ومنح السلطة التنفيذية المساحة اللازمة لتعمل وفق التفويض الذي مُنح لها.. ليس المطلوب طبعاً شيكاً على بياض..بل صبراً واعياً..وأنتظاراً رشيداً.. حتى تأتي الدولة لتشرح وتوضح.. في التوقيت الذي تراه مناسباً.. ما هو مطلوب وما هو ممكن..
وفي المقابل.. على الدولة نفسها أن تدرك أن الإعلام الوطني ليس خصماً لها ولا عبئاً عليها ولابد من إستصحابه كشريك موثوق..غير متهم.. وداعم..هو جزء من معركة الوعي.. وجزء من تثبيت الجبهة الداخلية..الشفافية المتدرجة..والتواصل المسؤول..وبناء جسور الثقة هي المعادلة الأمثل لذلك..بل هي ضرورة إستراتيجية..
نحن جميعاً نتوق للنصر.. ونتطلع لأن يكون نصراً عزيزاً.. كاملاً..لا لبس فيه..لكن طريق النصر لا يمكن فرشه بالتخمينات و أختصاره بالشائعات.. دعوا الدولة تعمل.. دعوا رئيس وزرائها يؤدي مهامه في العلن حين يقتضي العلن.. وفي الخفاء حين يفرض الخفاء نفسه..دعونا نختلف بوعي..ونراقب بإنصاف.. وننحاز – دون تردد – إلى معركة السودان الكبرى..






