يعودون للدراسة اليوم بمختلف الجامعات ..
الطلاب السودانيون برواندا .. الغربة واختبار الوعي ..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تزايد التحديات المتعلقة بسلوكيات فردية سالبة طالت عدداً من الطلاب..
تفشي مظاهر الفوضى، والعنف، وتزايد حالات فقدان الأوراق الثبوتية..
السفير خالد يدعو الطلاب السودانيين برواندا للالتزام بالقانون ونبذ العنف..
يستأنف الطلاب السودانيون الدارسون في مختلف الجامعات والمعاهد العليا بجمهورية رواندا، دراستهم اليوم الاثنين، عقب انتهاء عطلة أعياد الميلاد (الكريسماس)، في وقت تواجه فيه الجالية الطلابية السودانية تحديات متزايدة تتعلق بسلوكيات فردية سالبة طالت عدداً محدوداً من الطلاب، وشهدت الفترة الماضية حالات إبعاد لبعض الطلاب السودانيين من البلاد، على خلفية تورطهم في أعمال عنف بدني ومخالفات للقانون، إلى جانب تزايد حالات فقدان الوثائق الثبوتية، ما أدى إلى تعقيد أوضاعهم القانونية والأكاديمية، وانعكس سلباً على مسيرتهم الدراسية، وسط تأكيدات بأن هذه الوقائع لا تمثل الغالبية الملتزمة من الطلاب السودانيين في رواندا.
أكبر الجاليات أكاديمياً:
ويُقدَّر عدد السودانيين المقيمين في رواندا بأكثر من ستة آلاف مواطن ومواطنة، من بينهم نحو ثلاثة آلاف ومائتي طالب وطالبة يدرسون في خمس جامعات مختلفة، ما يجعل الجالية الطلابية السودانية واحدة من أكبر الجاليات الأكاديمية الأجنبية في البلاد، وتبرز في هذا السياق جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا السودانية، التي اضطرت لنقل مقرها إلى رواندا بسبب ظروف الحرب في السودان، حيث يدرس بها أكثر من 800 طالب وطالبة، مع استمرارها في استقبال دفعات جديدة من طلاب الطب في فرعها بمدينة كيغالي، في تجربة تُعد نموذجاً للتعاون العلمي والثقافي بين السودان ورواندا، ويمثل الطلاب السودانيون حوالي 20% من إجمالي الطلاب الدوليين في رواندا، وهو مؤشر واضح على ثقة السودانيين في جودة التعليم الرواندي، وعلى الترحيب الكبير الذي يحظون به داخل المجتمع الرواندي الذي يحتضنهم بدفءٍ يجعلهم يشعرون وكأنهم في وطنهم الثاني.
سلوكيات مقلقة:
ورغم هذا المناخ الإيجابي، إلا أن بعض السلوكيات السالبة قدر برزت وسط شريحة محدودة من الطلاب، تمثلت في تفشي مظاهر الفوضى، والاشتباكات الجسدية، إلى جانب تزايد حالات فقدان الأوراق الثبوتية، وعلى رأسها جوازات السفر، ويرى مراقبون أن هذه السلوكيات ترتبط جزئياً بتداعيات الفوضى السياسية والأمنية التي أفرزتها الحرب في السودان، وما صاحبها من تراجع في الوعي الأخلاقي لدى بعض الشباب، فضلاً عن غياب الرقابة الأسرية والمجتمعية في بيئة جديدة، وقد دفعت هذه التطورات السفارة السودانية إلى التدخل المباشر، وتحذير الطلاب من مغبة العنف البدني والسلوكيات الخارجة عن القانون، خاصة بعد تسجيل حالات اشتباك واعتداء أدت إلى إجراءات قانونية صارمة من قبل السلطات الرواندية.
توجيهات وتحذيرات السفير:
وشدّد السفير خالد موسى على ضرورة الالتزام الصارم بالقانون الرواندي، ونبذ العنف بكافة أشكاله، مؤكداً أن الطلاب السودانيين يمثلون عماد مستقبل السودان، وجسراً ثقافياً مهماً لتعزيز العلاقات الثنائية وعمق السودان الإفريقي، وأعرب السفير موسى في كلمة مصورة وجهها للطلاب عن فخره واعتزازه بوجود أكثر من ثلاثة آلاف طالب وطالبة سودانيين في رواندا، واصفاً إياهم بالركيزة الأساسية لمستقبل البناء والإعمار، ولتعزيز التبادل العلمي والثقافي بين البلدين، ولكنه حذَّر من خطورة العنف، مشيراً إلى أن بعض الحالات الأخيرة انتهت بترحيل طلاب ووقف مسيرتهم الدراسية بصورة نهائية، وما ترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية وأكاديمية جسيمة، وأكد أن القانون لا يعترف بالمبررات، وأن العنف، مهما كانت دوافعه، يقود مباشرة إلى فقدان فرصة التعليم ومغادرة البلاد، ودعا السفير كذلك إلى الاندماج الإيجابي في المجتمع الرواندي، واحترام ثقافته وتقاليده، والاستفادة من تجربته الرائدة في التعايش السلمي وبناء الدولة بعد أزمات عميقة، إلى جانب ضرورة الحفاظ على الوثائق الثبوتية، باعتبار أن الهدف الأساسي من الوجود في رواندا هو التحصيل العلمي وخدمة مستقبل البلاد التي تحتاج إلى عقول هؤلاء الطلاب لبناء سودان ما بعد الحرب.
حاسم وحساس:
ويرى محمد المقتدي إسماعيل، الطالب في كلية العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية بجامعة كيغالي المستقلة، أن حديث سفير السودان برواندا جاء واضحاً وحاسماً في زمن حساس، محذراً من أن العنف طريقه الترحيل ووقف الدراسة، والقانون أولاً، وأبان المقتدي في إفادته للكرامة أن رسالة السفير لم تكن عاطفية أو مجاملة، بل نابعة من تجارب واقعية، وربما تمثل محاولة أخيرة لحماية مستقبل آلاف الطلاب السودانيين، منوهاً إلى أن الغربة وضغوطها لا تبرر الفوضى أو التعدي، مؤكداً أن أي تصرف فردي طائش قد يدفع ثمنه مجتمع طلابي كامل، وأضاف: ” ينبغي أن يُفهم حديث السفير كتحذير لحماية الأغلبية الملتزمة، وليس كأداة تخويف، داعياً في الوقت ذاته إلى تعزيز قنوات الحوار والدعم القانوني للطلاب قبل تفاقم المشكلات، مع التأكيد على أن الالتزام بالقانون يظل الأساس.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن دعوة سفير السودان برواندا، تعكس أبعاداً تتجاوز التحذير الآني، لتلامس جوهر معركة الوعي والمسؤولية التي يخوضها الشباب السوداني في الخارج، فهي رسالة لحماية مستقبل الطلاب، وصون سمعة السودان، وتعزيز حضوره الإيجابي في محيطه الإفريقي، وبين الترحيب الرواندي والفرص التعليمية الواسعة، تظل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والوعي عوامل مهمة وفيصلاً حقيقياً بين بناء المستقبل أو ضياعه.






