علي هامش زيارة وزيري المالية والإعلام.. السودان وإريتريا.. شراكة الجغرافيا وصلابة المواقف.. الكرامة-علم الدين عمر

علي هامش زيارة وزيري المالية والإعلام..

السودان وإريتريا.. شراكة الجغرافيا وصلابة المواقف..
الكرامة-علم الدين عمر
قراءة إستراتيجية للحرب وحدود الإصطفاف..

الأمن الإقليمي ومآلات الصراع والبحر الأحمر..

أسياس أفورقي..الرؤية الصحيحة لحرب السودان…

ولأكثر من مرة.. الرئيس أسياس أفورقي يستقبل في منطقة “عدي هالو” الريفية وفداً سودانياً رفيعاً خلال هذه الفترة من عمر الأزمة السودانية..لم يبد للمراقبين أن إستقبال وزيري المالية الدكتور جبريل إبراهيم والثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر قد في سياق علاقات ثنائية مستقرة.. بل جاءت الزيارة محملة بدلالات سياسية عميقة.. ورسائل إقليمية واضحة..في توقيت بالغ الحساسية تمر فيه الدولة السودانية بأخطر تحدياتها الوجودية منذ الاستقلال..
فالسودان وهو يخوض حرباً مفتوحة دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية.. يعيد ترتيب فضائه الإقليمي.. ويبحث عن شركاء يقرأون الصراع بوصفه معركة سيادة..وليس نزاعاً داخلياً قابلاً للمساومة أو الإستثمار السياسي..

(أولاً) ..
السودان وإريتريا..

شراكة الجغرافيا وصلابة التاريخ
تحكم العلاقة بين السودان وإريتريا معادلة خاصة.. تتجاوز حدود المصالح العابرة إلى عمق الجغرافيا والتاريخ المشترك.. فالسودان كان أحد أوائل الداعمين لنضال الشعب الإريتري من أجل الاستقلال..كما مثلت الأراضي السودانية عمقاً إنسانياً وسياسياً للإريتريين خلال سنوات الكفاح الطويلة..
وفي المقابل..ظلت إريتريا..منذ إستقلالها.. تنظر إلى السودان بوصفه ركيزة إستقرار أساسية في الإقليم.. وجدار صد أمام الفوضى التي كثيراً ما عصفت بالقرن الأفريقي..
هذه الخلفية التاريخية منحت العلاقات الثنائية طابعاً مختلفاً..جعلها أقل قابلية للاهتزاز.. وأكثر مقاومة للضغوط الخارجية.. وهو ما يفسر مواقف أسمرا الواضحة إزاء الحرب الدائرة في السودان..ورفضها المبكر لأي محاولات لإعادة إنتاج سيناريوهات التفكيك أو شرعنة الميليشيات..

(ثانياً)..
أسياس أفورقي… قراءة استراتيجية للحرب وحدود الإصطفاف..

يمثل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي حالة خاصة في الإقليم.. فهو لا يتعامل مع الأزمات بمنطق ردود الأفعال..بل يتعامل معها وفق قراءة إستراتيجية طويلة المدى..وفي الحالة السودانية.. كان موقفه حاسماً منذ اللحظة الأولى..
ما يجري في السودان ليس صراعاً سياسياً عادياً.. بل محاولة منظمة لضرب الدولة الوطنية.. وإعادة هندسة المنطقة عبر أدوات غير نظامية..
هذا الفهم هو ما جعل إريتريا تقف بوضوح إلى جانب الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية..وترفض أي مقاربات دولية أو إقليمية تسعى للمساواة بين الجيش الوطني والميليشيا المتمردة..
كما عبر الرئيس أفورقي..في أكثر من مناسبة عن قناعته بأن إستقرار السودان شرط لازم لإستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر.. وأن العبث بوحدته سيفتح أبواب الفوضى على مصراعيها..
لقاء “عدي هالو” بين جبريل والإعيسر جاء تأكيداً لهذا التوجه.. حيث شدد الرئيس الإريتري على أهمية إستمرار التنسيق السياسي والأمني.. وضرورة أن يتعامل الإقليم مع الأزمة السودانية من منظور السيادة وليس الوصاية..

(ثالثاً)..

البعد الإنساني..

وقفت إريتريا في هذا الإطار كعمق آمن للسودانيين
إلى جانب الموقف السياسي.. حيث لعبت دوراً إنسانياً مهماً خلال الحرب.. بإستقبالها أعداداً كبيرة من السودانيين.. وتقديمها تسهيلات لوجستية وإنسانية للعبور والإقامة.. بعيداً عن الضجيج الإعلامي أو الإستثمار السياسي في معاناة المدنيين..
هذا السلوك يعكس فلسفة الدولة الإريترية في التعاطي مع الأزمات..والتي تقوم على الدعم العملي المباشر بعيداً عن الخطابات السياسية وعلى إحترام كرامة الإنسان وليس توظيفه في الحملات الدولية..
إشادة الوفد السوداني بهذه المواقف لم تكن مجاملة بقدر ما كانت إعترافاً بدور حقيقي ظلت أسمرا تؤديه في صمت..وبما يعكسه ذلك من فهم عميق لتعقيدات المرحلة السودانية..

(رابعاً)..

ملامح الموقف الأرتري..

الدعم الاستراتيجي للسودان.. ترى الصحافة الإريترية أن موقف إريتريا الداعم للسودان ضد “التمرد” هو موقف تاريخي ومنطقي.. يهدف للحفاظ على وحدة السودان وأستقراره.. لأن أي زعزعة فيه تؤثر على أمن إريتريا بصورة مباشرة في ظل توترات الإقليم ..
التقارب الأمني..
أكدت إريتريا دعمها للسودان عبر إرسال سفن حربية..وهو ما يراه الصحفيون دليلاً على بناء شراكة قوية.. ويؤسس لمرحلة جديدة للعلاقات الثنائية..
الرفض للتهميش الإقليمي..
تفسر بعض التحليلات تحركات إريتريا الأخيرة (مثل إرسال البوارج) كرفض لإبعادها عن جهود تسوية الأزمة السودانية والمبادرات الإقليمية..ورغبة في إستعادة دورها كلاعب رئيس في القرن الأفريقي..

(خامساً)..

البحر الأحمر والقرن الأفريقي..تقاطع المصالح والمخاطر..

لا يمكن فصل الموقف الإريتري من السودان عن حسابات الأمن الإقليمي..خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد على البحر الأحمر..ومحاولات تحويله إلى ساحة صراع نفوذ مفتوحة..
فإريتريا تدرك أن إنهيار السودان أو إستمرار مخطط الفوضي الخلاقة علي أراضيه سيخلق فراغاً إستراتيجياً خطيراً.. ستملؤه الميليشيات.. وشبكات التهريب.. والقوى العابرة للحدود..بما يهدد أمن الممرات البحرية ويقوض إستقرار دول الإقليم..
من هنا..يبدو التنسيق السوداني-الإريتري جزءاً من رؤية أوسع.. تسعى إلى حماية الإقليم من سيناريوهات التفكيك.. وإعادة الإعتبار لدور الدولة الوطنية في مواجهة الفوضى المنظمة..

(سادساً)..

الدبلوماسية السودانية… إستعادة زمام المبادرة..

تعكس هذه الزيارة توجهاً متقدماً في أداء الدبلوماسية السودانية..يقوم على بناء تحالفات صلبة مع دول تتقاطع مع السودان في فهم طبيعة الصراع.. وترفض مقايضات السيادة بالحلول السهلة..
كما تؤشر إلى إنتقال الخطاب السوداني من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة..عبر شرح روايته..وكشف طبيعة الحرب..وتحديد معسكرات الإصطفاف بوضوح..

أخيراً..

أسمرا محطة لإحداث الفرق..

تؤكد زيارة الوفد السوداني إلى إريتريا.. وما رافقها من مواقف وتصريحات وفعاليات.. أن أسمرا ليست محطة عابرة في مسار السياسة السودانية.. بل شريكاً إستراتيجياً في معركة الحفاظ على الدولة..
فبينما تتكاثر المواقف الرمادية وتتقاطع حرب الأجندات المتقاطعة علي طاولة المشهد السوداني تبدو المواقف الواضحة أكثر ندرة وقيمة..وهو ما يجعل وقفة الرئيس أسياس أفورقي إلى جانب السودان علامة فارقة في مشهد إقليمي شديد الاضطراب..
الشراكة التي وصفتها إتجهات الرأي العام في البلدين بشراكة المصير.. هي موقف سياسي يُقرأ بعمق التاريخ وحتمية الجغرافية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top