بمناسبة 1000 يوم على الحرب..
الجيش السوداني.. دروس للتاريخ..
تقرير : هبة محمود
تحول الدعم السريع الى ” مليشيا متمردة “تعاني الشتات وتفتقر للقيادة
احباط مشروع تفكيك الدولة السودانية رغم سيطرة المليشيا فى البداية ..
حرر الخرطوم ومدني وسنار والنيل الأبيض وتفرغ للحرب في دارفور وكردفان
التفاف الشعب حول قواته المسلحة كان المعادلة التى غيرت الأوضاع..
بالتزامن مع بلوغ الحرب في السودان يومها الـ 1000، منذ إندلاعها منتصف أبريل من العام 2023 وحتى الآن، يقف التساؤل الحائر وهو ليس في مقام الإستفسار بقدر ماهو محل فخر وإعزاز إن صح التعبير حول استطاعة الجيش السوداني قلب موازين المعركة وهو في أضعف حالاته وتحويل ” الدعم السريع ” من قوات عسكرية رسمية مجازة بقانون رسمي ذات قوة صلبة، إلى ” مليشيا متمردة “تعاني الشتات وتفتقر للقيادة؟!
إحباط مشروع تفكيك الدولة السودانية في وقت كانت تسيطر فيه المليشيا على 80% من مفاصلها، هو أيضا تساؤل يستدعي الوقوف، ويستحق وفق كثير من المراقبين تسليط الضوء عليه في هذه المناسبة.
تفاصيل كثيرة خلال الحرب التي قاربت من سنواتها الثلاث، يقف الشعب السوداني شاهدا وحاضرا على ديناميكية تحولها، وهو يتأرجح بين الأمل واليأس وقتها، قبل أن يكمل الجيش في العام 2025م معادلة التفوق بامتياز، ويحرر العاصمة الخرطوم ومدني وسنار والنيل الأبيض من المليشيا، ويتفرغ لها في إقليمي دارفور وكردفان بعد أن أجبرها على التراجع.
تساؤلات متاحة ومشروعة، لا تقف هنا في مقام الإستفسار انما تأتي في سياق “التوثيق المتواضع ” من قبلنا، لمعركة تاريخية كان الجميع ينتظر فيها انهيار الدولة و سقوط الجيش، الذي أحال المليشيا من قوة ضاربة في قلب الخرطوم إلى خليط هجين من العرب الشتات والمرتزقة في أطراف البلاد، ولم يزل يواصل معاركه لدحرها.
التساؤل المخيف ؟!
لم تكن بداية الحرب في السودان مباغتة أو غير متوقعة لدى السودانيين، إذ انها كانت واضحة المعالم والمسببات، لكن توقيت الاندلاع أو ساعة الصفر ظلت (حديث المجالس) وقتذاك، مع إرتفاع حالات الخوف الذي تهدئه في كثير من الأحيان الثقة في أن الجيش السوداني سيحسم الأمر خلال ساعات أو أيام على أقل تقدير.
تفاصيل الترقب والتتبع لدخول شحنات العتاد العسكري من قبل المليشيا، رفع حالات الطوارئ لدى الكثيرين، فالعاصمة التي ظلت آمنة ربما تشهد أعنف المعارك (الكثير يحدث نفسه هكذا سرا) ويستمر الترقب، قبل أن يستفيق السودانيين صبيحة السبت منتصف أبريل 2023 على أنباء إندلاع الحرب المتوقعة.
لم تمضي التوقعات حينها على الأوضاع التي تجري الآن، لكن الأنباء الواردة عن الانتشار الكثيف للمليشيا وسيطرتها على العاصمة كانت تدفع بالكثير من التساؤلات المشروعة، عن تدخل الجيش والطيران الحربي الذي حسم الأمر وغير مجريات الحرب، لكن مازالت المليشيا بكامل قوتها وعتادتها وانتشارها .. وهو تساؤل مخيف يومها؟!
تكتيك منع السقوط
الالتفاف حول الجيش سيما في ظل الانتهاكات التي تمارسها المليشيا، كان عقيدة غالبية الشعب السوداني حينها، لكن محاصرته في ثكناته ومحاصرة القائد العام داخل القيادة العامة ومعه كبار القادة، كان يدفع بتساولات حول مصير المعركة ومصير البلاد معا!!.
المليشيا تواصل تمددها وسيطرتها وانتشارها، والجيش يتحول الى خانة المدافع، والشعب في مواجهتها يقف اعزلا لا حيلة له، ما دفعه إلى موجة من النزوح واللجوء والتساؤلات تتسع بداخله والمخاوف.
لم يكن الجيش وقتها وفق خبراء عسكريين يعتمد في مرحلة الحرب الاولى على نهج النصر السريع، بقدر ما اعتمد تكتيك “منع السقوط” فركز وقتها على حماية مراكز القيادة والسيطرة، وسلاح الجو، والبنية الاتصالية للدولة، وأدار معركة دفاع متحرك قائمة على النقاط الصلبة لا على السيطرة الجغرافية الواسعة، ليكون الهدف من ذلك واضحا وهو إبقاء الدولة حيّة، حتى وإن خسرت مساحات “مؤقتاً”.
رغم الالم .. جيشا وشعباً واحدا
طال الوقت المتوقع من قبل الشعب السوداني لنهاية هذه الحرب وقتها، ولم يكف من مساندة الجيش، على الرغم حالة اليأس واللالم والحزن، في ظل انتصارات المليشيا.
فالجيش وقتها كان في أضعف حالاته محاصر في قيادته العامة، مفصول عن مخازنه، ومكبّل بضغوط سياسية ودولية. لكن المعادلة التي غيّرت كل شيء كانت التفاف الشعب السوداني حول قواته المسلحة، إدراكاً بأن سقوط الجيش يعني سقوط الدولة ذاتها.
هكذا يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن د. جمال الشهيد الذي أكد أن في لحظات المحن الكبرى، لا تنتصر الجيوش وحدها، بل تنتصر عندما تلتف حولها الشعوب، مشيرا في حديثه لـ” الكرامة “إن هذا ما حدث في السودان خلال الألف يوم الماضية، إذ لم تكن القوات المسلحة تقاتل مليشيا مسلحة فحسب، بل كانت تقاتل مشروع تفكيك الدولة. ومع ذلك، وبإسناد وطني صلب، استطاعت أن تغيّر ميزان القوى من قلب الخرطوم إلى أطراف دارفور وكردفان، وتحوّل ما كان يُنظر إليه كقوة صلبة إلى شتات بلا قيادة ولا مستقبل.
ضرب المركز العصبي للمليشيا
مصادر عسكرية أكدت لـ “الكرامة ” أن التكنيك الذي استخدمه الجيش السوداني خلال الـ 1000 يوم إرتكز على عدة مراحل تتمثل في مرحلة إمتصاص الصدمة والدفاع عن المنشآت العسكرية وإضعاف وتدمير القوة الصلبة للمليشيا ومن ثم التحول من خانة الدفاع إلى الهجوم، خلال ثمانية أشهر من إندلاع الحرب.
في العام 2024 يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن جمال الشهيد أن الجيش انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً وهي مرحلة ضرب المركز العصبي للمليشيا، فلم تعد المعركة تدور حول الأحياء والشوارع، بل حول غرف القيادة، وشبكات الاتصالات، ومراكز التمويل والتجنيد. مؤكدا لـ “الكرامة” أن المليشيا بهذه الضربات الدقيقة، تحولت من قوة موحدة ذات قرار مركزي إلى شبكات محلية متناحرة، لكل منها حساباتها ومصالحها الضيقة.
تحول المعادلة .. معجزات عسكرية
نهاية العام 2023 كانت قاصمة ظهر للسودانيين وذلك بسقوط ولاية الجزيرة في يد المليشيا، لتضعف الوقائع المتاحة آنذاك مساحات الامل داخل النفوس، لكنها زادت بالمقابل من قوة اليقين بالجيش السوداني.
الجميع كان ينظر إلى أن الجيش هو صمام الأمان وأنه الوحيد القادر على إنهاء هذه الحرب مهما تطاول الأمد، ليستقبل السودانيين العام 2024 بنفوس مثقلة وذلك في ظل ضغوط سياسية ودولية بضرورة إنهاء الحرب وإيجاد معادلة للمليشيا داخل المشهد السوداني من جديد وهو ما كان مرفوضا ومازال.
ومع تتابع الايام تعرض الجيش لحملة من التخوين لكنه كان صامداً قبل أن تتحول المعادلة في سبتمبر 2024 وتتوالى الانتصارات بتحرير جبل موية وسنار ويستقبل السودانيين العام 2025 بتحرير الجزيرة ومن ثم الخرطوم.
الجيش يضرب المليشيا في عمقها
الخبير الأمني والعسكري اللواء معتصم عبد القادر يرى في حديثه لـ” الكرامة” أن الجيش السوداني استطاع نقل المعارك من حصار المقرات المختلفة في ولاية الخرطوم وغياب تام للحكومة المركزية للعاصمة وكذلك سقوط ولاية الجزيرة وسنار وتهديد لولاية نهر النيل و القضارف والنيل الأزرق إلى مناطق كردفان ودارفور بتكنيك عسكري كبير
مؤكدا أن الجيش لم يقف عند ذلك لكنه استطاع تحويل المليشيا إلى حالة من الفوضى، قام فيها يتحييد قياداتها وقطع الوقود والامداد لها.
واعتبر أن حدوث انشقاقات مختلفة بين المحاميد الماهرية وللريزقات والمسيرية حول الصراع على القيادة وفر الكثير من المعلومات للاستخبارات العسكرية.
ولفت إلى وجود حالة فوضي وانتهاكات للمدنيين من قبل المليشيا.
درس في حروب القرن الحادي والعشرين
من جانبه يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن جمال الشهيد لـ”الكرامة” أن في العام 2025 اكمل الجيش معادلة التفوق عبر الحرب على الإمداد.
فقد استهدف الجيش خطوط ليبيا وتشاد، وعقد التخزين في دارفور وكردفان، ما أدى إلى خنق المليشيا لوجستياً. ففي خلال أقل من ستة أشهر، فقدت المليشيا أكثر من 60% من قدرتها القتالية، ليس بسبب القتل فقط، بل بسبب الجوع والذخيرة والوقود.
وتابع: اليوم، لا توجد قيادة حقيقية لتلك المليشيا فمحمد حمدان دقلو مختفٍ عن المشهد، وعبد الرحيم دقلو محاصر بخلافات داخلية وملاحقات دولية، بينما المجموعات المسلحة في الميدان تقاتل بلا عقيدة وبلا هدف سوى البقاء.
ويذهب الشهيد إلى أن الخلاصة المستفادة هو أن ما جرى في السودان خلال ألف يوم يعتبر درس في حروب القرن الحادي والعشرين مفاده لا ينتصر من يملك البنادق أكثر، بل من يملك المنظومة الأذكى، والإرادة الوطنية الأوسع.
تفوق عسكري واستراتيجي بإمتياز
في ظل مواصلة الجيش معاركه العسكرية ضد المليشيا، عقب الـ 1000 يوم تغيرت الكثير من المعادلات على الأرض، فالتفوق العسكري والاستراتيجي للقوات المسلحة زاد من وحدتها مع الشعب السوداني، الذي زاد بالمقابل يقينا بجيشه وهو يرى كيف تحول الضعف إلى قوة، والحصار إلى تفوق، والفوضى إلى بداية استعادة الدولة.
كل ذلك يجعل خبراء عسكريين يدعون إلى ضرورة أن ينظر ل 2026 كعام اتثبيت سيادة السودان، وليس عاما للتسويات.






