اتهمتها بحفر مقابر جماعية وإرتكاب جرائم مروّعة..
المليشيا.. في مواجهة الجنائية الدولية..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
المحكمة تصف ما حدث بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي
مطالب من السودان بالإسراع في توجيه التُهم للقبض على قادة المليشيا
وفقاً لنظام روما يمكن ملاحقة المليشيا وقادة الإمارات للمشاركة في الجرائم
اتهمت المحكمة الجنائية الدولية مليشيا الدعم السريع بحفر مقابر جماعية لإخفاء جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في إقليم دارفور، وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، إن مكتب الادعاء خلص، بعد فحص أولي للأدلة، إلى أن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في مدينة الفاشر، لا سيما خلال أواخر أكتوبر 2025م، بالتزامن مع بلوغ حصار المدينة من قبل مليشيا الدعم السريع ذروته، وأوضحت خان، في الإحاطة التي قدمتها أمام جلسة مجلس الأمن الدولي، أن مكتب الادعاء استند إلى مواد صوتية ومرئية، إلى جانب صور ولقطات ملتقطة عبر الأقمار الصناعية، تشير بوضوح إلى وقوع عمليات قتل جماعي، ومحاولات ممنهجة لإخفاء معالم الجرائم عبر حفر مقابر جماعية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
موقف الحكومة السودانية
وكانت الحكومة السودانية طالبت في بيانها أمام جلسة مجلس الأمن الدولي الاثنين، المحكمة الجنائية الدولية بالإسراع في توجيه التهم وإصدار أوامر قبض بحق قادة قوات الدعم السريع، مع توسيع دائرة الملاحقة لتشمل الرعاة الإقليميين والداعمين الخارجييّن، وشدد الوزير المفوض، عمار محمد محمود على أن الفظائع المروعة التي ارتكبتها المليشيا في الفاشر ومدن أخرى، لم تكن لتحدث لولا الدعم العسكري والسياسي واللوجستي الذي توفره دولة إقليمية، مؤكداً أن العدالة لن تتحقّق إلا بمساءلة من يقتل، ومن يُموِّل، ومن يُسلِّح، كما عبّر وفد السودان عن خيبة أمله العميقة إزاء تأخر المحكمة في إصدار أوامر توقيف بحق المتورطين في مجزرة الجنينة بغرب دارفور، رغم مرور أكثر من عامين على وقوعها، مشيراً إلى أن هذا التباطؤ أرسل رسائل خاطئة للجناة، وأن التحرك المبكر عقب أحداث الجنينة كان كفيلاً بتفادي جريمة الإبادة الجماعية التي تكرّرت لاحقاً في الفاشر، ورغم انتقاده لها، جدد السودان التزامه الكامل بالتعاون مع مكتب المدِّعي العام، مؤكداً الاستجابة لطلبات الادعاء وتسهيل زيارات الوفود الدولية لمعسكرات النازحين، واللقاء بالشهود الذين عايشوا الهجوم على الفاشر.
تأخُّر الاتهام الدولي
ويثير تأخر المحكمة الجنائية الدولية في توجيه اتهام مباشر لقادة مليشيا الدعم السريع تساؤلات قانونية وسياسية عميقة، خاصة في ظل تراكم المؤشرات والأدلة على تورط هذه الميليشيا في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية منذ يونيو 2023م، فقد شهدت مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور، مجازر مروِّعة ضد قبيلة المساليت، أعقبها اغتيال والي الولاية خميس عبدالله أبكر والتمثيل بجثمانه في مشهد صادم هزَّ الضمير الإنساني، وتوالت بعد ذلك الانتهاكات في ولاية الجزيرة، حيث ارتُكبت مجازر في قريتي ودالنورة والسريحة، راح ضحيتها أكثر من “240” مواطناً أعزل من المدنيين الأبرياء في القريتين، ووفقاً لمراقبين فإن هذا التسلسل الدموي، كان كافياً لتفعيل آليات العدالة الدولية في وقت مبكر، غير أن بطء الإجراءات أسهم في تمدُّد دائرة العنف، ومنح الجناة شعوراً بالحصانة، ما يضع المحكمة أمام اختبار جدي لمصداقيتها ودورها الردعي.
اختصاص الجنائية الدولية
ويؤكد نظام روما الأساسي أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لا يقتصر على المنفذين المباشرين لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، بل يمتد ليشمل كل من أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ارتكاب هذه الجرائم، ويشمل ذلك القادة الذين أصدروا الأوامر، أو تغاضوا عن الجرائم وهم على علم بها، وكذلك المموِّلين الذين وفروا الموارد المالية، والمحرضين الذين غذّوا خطاب الكراهية والعنف، والمتواطئين الذين قدموا دعماً سياسياً أو لوجستياً أو معلوماتياً مكّن الجناة من تنفيذ أفعالهم، ويمنح هذا الإطار القانوني المحكمة صلاحية عابرة للحدود، بحيث لا تشكل الجنسية أو الموقع الجغرافي أو الصفة الرسمية حصانة من الملاحقة، ما يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويجعل العدالة الدولية أداة لمحاسبة الشبكات الكاملة للجريمة، لا مجرد واجهتها المسلحة.
مساءلة الداعمين
واستناداً إلى نظام روما، تطالب الحكومة السودانية بملاحقة قيادات المليشيا المتمرّدة، إلى جانب المحاور الإقليمية والدولية التي تورطت معها في التخطيط أو الدعم أو التمويل، وتشير الحكومة، صراحة، إلى دولة الإمارات بوصفها إحدى الجهات التي ينبغي أن تخضع للمساءلة القانونية، بعد ما تصفه بالأدلة الدامغة التي قُدمت وتثبت تورُّطها في دعم هذه الجرائم، كما تشمل المطالبات دولاً من الجوار الإقليمي فتحت أراضيها لتدريب عناصر المليشيا، أو سمحت بمرور المرتزقة، أو فتحت مطاراتها لاستقبال شحنات العتاد الحربي والمعدات والآليات القتالية، في خرق واضح للقانون الدولي وقرارات حظر السلاح.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر، فإن اتهامات المحكمة الجنائية الدولية لمليشيا الدعم السريع، تكشف عن حجم الجرائم المرتكبة في دارفور، وعن نمط ممنهج من العنف والإخفاء القسري للأدلة، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تحتمل التأجيل، وتضع مطالبة السودان بتسريع وتيرة العدالة وتوسيع نطاقها لتشمل الداعمين، المحكمة الجنائية أمام اختبار حقيقي في قدرتها على ترجمة اختصاصها الواسع إلى إجراءات حاسمة، تعيد الاعتبار للضحايا، وتكسر حلقة الإفلات من العقاب التي غذّت واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في العصر الحديث.






