للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
«قرّاء الكرامة.. وعد اللُقيا»
للغياب في المهنة الصحفية لغةٌ خاصة، لا تُكتب بالحبر وحده، بل بما يخلّفه من فراغ وأسئلة في وجدان القرّاء،وحين غبتُ عن الكرامة، كان الغياب اضطرارياً، أشبه باستراحة محارب فرضتها ظروف العمل وضغط المرحلة، وكان غياباً ثقيلاً عن منبرٍ ظلّ يقدّمنا للقارئ يوماً بعد يوم، ويمنحنا شرف مخاطبته بلا انقطاع.
كان الغياب امتحان محبّة.. سيلٌ من الرسائل، مكالمات لا تنقطع، وأسئلة صادقة من زملاء وقراء تبحث عن سبب الغياب، لا بدافع الفضول، بل بدافع المحبّة الصادقة، لكل من سأل عني، ولكل من اتصل، ولكل من ألحّ عليّ بالعودة، أقول شكراً بحجم هذا الوفاء الذي كان له الأثر الأكبر في اختصار المسافة والعودة إلى المكان الطبيعي.
مايقارب العامان من العمل في الكرامة لم يكونا وقتاً عابراً، بل عامين مليئين بالعمل ، السهر، التعب، والمواجهة اليومية مع الواقع الصحفي والحرب، عامان من نار وعرق، في زمنٍ صارت فيه الصحافة موقفاً أخلاقياً قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية وطنية قبل أن تكون وظيفة.
ثم كانت العودة التي تمثّل إعترافاً بأن بعض البيوت لا تُغادرها إلا لتعرف قيمتها، جاءت العودة سريعة، نعم، لكنها جاءت صادقة؛ تقديراً لأسرة الكرامة، لزملائي، وللقرّاء، وللحبيب الصديق أشرف إبراهيم الذي يمسك بدفة التحرير في عهدٍ جديد بعينٍ على المهنية، وأخرى على الوطن.
والتحية والتقدير للأستاذ محمد عبدالقادر، صانع مجد الكرامة، الرجل الذي سهر حتى أرهقه السهر، وتعب حتى دفع من صحته ثمناً، لتخرج هذه الصحيفة كما نعرفها اليوم: الأولى في البلاد، صحيفة لا تنافس غيرها بقدر ما تنافس نفسها، وتضع القارئ في المقام الأول،الكرامة صحيفة باقية، مستمرة، لا تتوقف بمغادرة أحد، لكنها تقوى بعودة أبنائها وإيمانهم بمسيرتها.
في الكرامة لم نكتب من وراء الزجاج، بل كتبنا من قلب العاصفة،وثّقنا جرائم وانتهاكات مليشيا الدعم السريع بالصورة والقلم، نقلنا انتصارات الجيش من داخل القيادة العامة، ومن مصفاة الجيلي، حيث تكون الكلمة شاهدة لا متفرجةهنا كانت الصحافة تمشي على حدّ السكين… وتنجو.
وفيها فتحنا دفاتر الاقتصاد السوداني المثقلة بالخسائر، خصصنا حلقات كاملة لقطاعات أنهكتها الحرب، ووضعنا الأرقام في مواجهة الشعارات، استنطقنا كبار المسؤولين، لا طلباً للضوء، بل بحثاً عن الحقيقة، كتبنا عن الفن والمبدعين، لأن الوطن الذي ينزف يحتاج إلى أغنية تداوي، وإلى جمال يقاوم القبح،نقلنا هموم الناس، وجع النزوح، وكسرة الخاطر في العيون، كشفنا الوجه الآخر للحرب بالأرقام: ارتفاع حالات الطلاق في تقريرٍ هزّ الرأي العام، وفتحنا ملفات الزواج في زمن الحرب، لأن المجتمع حين يُصاب، تظهر أعراضه في البيوت قبل الميادين.
الصحافة الحقيقية لا تعرف القطيعة، بل تعرف الامتحان،وها أنا أعود إلى الكرامة، لا لأستأنف الكتابة فقط، بل لإستئناف العهد، نعود لنكتب من أجل القارئ، لأن القارئ هو البوصلة، سنعود لنكتب مع الحبيب أشرف إبراهيم، لنواصل مسيرة النجاح، بنفس الإيمان القديم: أن الكلمة إذا خرجت من القلب وصلت… وإذا صدقت بقيت..هنا الكرامة، وهنا مكاننا الطبيعي،ومن هنا نبدأ من جديد، كأننا لم نغِب، وكأن السؤال الطويل وجد أخيراً جوابه.
سنواصل كتابة التقارير والمقالات عبر هذه الإصدارة المقروءة، كما كتبنا في أشد أوقات الحرب قسوة، سنظل داعمين للجيش حتى يحرّر ما تبقى من أرض الوطن في كردفان ودارفور، وسنُصوّب بقلمنا أداء الحكومة بلا مواربة، وندعم خيار عودة المواطنين إلى ديارهم، لنُعيد البناء ونعمر الوطن من جديد..وشكراً من القلب لقراء الكرامة، وباقات من الورود لهم، ولزملائي، ولأسرتي في هذا البيت الصحفي الكبير،وعلى الله توكّلنا… وبسم الله نبدأ من جديد .






