حديث السبت يوسف عبد المنان بابنوسة ومدني وقصة جنرالين!!. السجن “5” سنوات لمن خاف وارتعد.. والجنة لمن صدَق وصبَر.. مابين انسحاب قائد الفرقة الأولى وماسطّره الشهيد معاوية في بابنوسة المفارقة كبيرة..

حديث السبت
يوسف عبد المنان

بابنوسة ومدني وقصة جنرالين!!.

السجن “5” سنوات لمن خاف وارتعد.. والجنة لمن صدَق وصبَر..

مابين انسحاب قائد الفرقة الأولى وماسطّره الشهيد معاوية في بابنوسة المفارقة كبيرة..

ضبّاط وجنود الفرقة خرجوا وعيونهم دامعة

بعد أن كادت تسقط من مخيّلة الشعب قصة سقوط مدينة ودمدني بلاقتال وبعد أن كان الرأي العام قبل التحرير وبعده يلوك حسرة وغيظاً قصة الخيانة التي أدّت بولاية الجزيرة جميعها لأحضان البغاة الطغاة ولكن المحكمة قالت كلمتها وأنصفت المتهم الأول اللواء أحمد الطيب قائد الفرقة الأولى من تهمة الخيانة التي تنص على الإعدام رمياً بالرصاص لمن يقترفها من العسكريّين ولكن المحكمة التي قضت بسجن القائد السابق للفرقة الأولى لمدة خمسة سنوات بعد أن ثبت للمحكمة تقصيره وإهماله مما أدّى لسقوط مدينة ودمدني ثاني أكبر مدن السودان في أيادي المليشيا دون قتال أو مقاومة بسبب القائد الذي يقبع الآن في السجن ولكن يوم صدور الحكم أطلق الوالي الطاهر الخير تصريحات صحافية تنم عن ذكاء لهذا الرجل الذي استطاع أن ينهض بمدينة ودمدني وولاية الجزيرة من تحت الرماد قال الوالي في رسالة بليغة تعد بمثابة احتجاج على حكم يراه الكثيرين مخفّفاً بحق اللواء أحمد الطيب فقال الوالي أن المليشيا قتلت “٦٦٠٠” شخصاً في ولاية الجزيرة كل هذه الأنفس معلقة في عنق حميدتي ومن أعان حميدتي ومن ناصر حميدتي ولو بكلمة في جهاز هاتف سيأتي يوم القيامة وفي عنقه أرواح سفُكت وأموال نُهبت وكثير من مناصري المليشيا يحسبون أن وقوفهم من القتلة هيّناً وهو عند الله عظيم.
لايملك الرأي العام في ولاية الجزيرة حق الاحتجاج على صدور حكم مخفّف من محكمة عسكرية بطبيعتها صارمة جداً وعقوبة السجن خمسة سنوات هي تعني تلقائياً الطرد من الخدمة العسكرية التجريد من رتبة اللواء كما فعل سلفاكير ميارديت مع نائبه الخائن من غير محاكمة كما فعل البرهان مع اللواء أحمد الطيب الذي أمضى أكثر من عامين مابين الحبس في المعتقل وأمام القضاء العسكري الذي عُرف بالنذاهة والكياسة وأغلب أحكام القضاء العسكري تذهب لدهاليز الصمت ولايعلن عنها إلا في حالات محدودة مثل حالة أحمد الطيب لأن القضية خرجت من سياق العسكرية الي قضية رأي عام وسط اهل السودان فكيف لفرقة كاملة بعتادها وجنودها تنسحب من مدينة مثل ودمدني ،ولايموت من أجل الملايين في الجزيرة إلا مقاتلي المقاومة الشعبية ومقاتلي جهاز الأمن والمخابرات الذين لهم في هذه الحرب تضحيات ودماء طاهرة سكبوها مع اخوتهم في القوات المسلحة تقديرات اللواء أحمد الطيب الخاطئة وانسحابه من غير اتباع التعليمات التي كان يفترض أن تتنزّل عليه من القيادة العليا، جرّت عليه تهمة الإهمال ولم تجر عليه تهمة مخالفة الأوامر المستديمة والحرب تقديرات قادة قبل أن تكون قرارات جماعية، لذلك كانت تقديرات أحمد الطيب الانسحاب كارثية على الشعب والفرقة الأولى في الجيش السوداني لم تقاتل مثل فرق عسكرية أخرى وترتيب الفرق من الأولى إلى الفرقة التاسعة عشر في مروى لاعلاقة لها بقوة الفرقة وعتادها والجيش السوداني كانت الفرقة الأولى فيه بمدينة جوبا والفرقة الرابعة بالدمازين والخامسة بالأبيض المعروفة بالهجانك والفرقة الثالثة شندي والفرقة السادسة الغربية الفاشر والشرقية القضارف ثم الفرقة التاسعة المحمولة جواً المظلات وجاءت فكرة التوسّع في الفرق العسكرية في السنوات الأخيرة وترفيع الألوية إلى فرق والكتائب إلى ألوية وقد اشتهرت في حرب الجنوب كتائب مثل الكتبية “١٠٣” ملكال ومدينة مدني كانت بها قوات محدودة جداً تسمى قوات الحدود رغم أنها تقبع في وسط البلاد، ونظرياً فإن قوات الحدود موقعها في القضارف أو الجنينة أو كسلا أو حلفا.
ذهب أحمد الطيب إلى السجن لأنه لم يقاتل كما قاتل آخرين سياتي الحديث عنهم في سياق هذا المقال ولكن أحمد الطيب سيشعر بقية حياته بالحسرة على مافرّط فيه وبقرار انسحابه مات سته آلاف من سكان الجزيرة كما قال الوالي الطاهر في حديث صريح ومؤلم وحزين وكلما تذكّر المرء مشهد الموت في الجزيرة تساءل من فرّط وجبُن ولم يقاتل مثل أخوان ياسر فضل الله في نيالا.
٢
البلاد تخوض حرباً امتدت لثلاثة سنوات وربما تطاولت أكثر ،حرباً خلدت أبطالاً في مخيّلة هذا الشعب الذي لم ينسى تضحيات العقيد عبدالرحمن البلاع في أعالي النيل ولن ينسى شجاعة مقبول الفاضل هجّام ولا فدائية العقيد الشهيد ابراهيم شمس الدين ولا جسارة الطيارين مختار محمدين شهيد الناصر ولا مصطفى بدوي أمهر من كان يقود ويحلّق بطائرة الشحن الأمريكية السي ١٣٠ ولا مغامرات الشهيد زيدان وفراسة حاج أحمد الجيلي ومن هولاء رضع الشجاعة اللواء نصرالدين في المدرعات الذي حينما تمت إحالته للتقاعد كاد أن يبكي عليه كل الشعب السوداني وقد جسّد نصرالدين بطولة هذا الجيش العظيم كما جسّدها ياسر فضل الله قائد الفرقة السادسة عشر نيالا وجاء من بعده العميد حسين جودات حتى سقطت الفرقة السادسة عشر بعد أن نفدت الذخيرة واستعصى على الطيران إسقاط احتياجات القوات المسلحة، وحينما بدأت الفرقة في الانسحاب دمّرت اسلحتها حتى لاتذهب غنيمة في أيادي المليشيا وخرج العميد جودات في جنح الليل وعاد مجروح في كبده وفي جسده ولكن أحمد الطيب آثر النجاة ببدنه فمات من وراء ذلك المئات من أهل الجزيرة وظنّ في تقديراته أن الانسحاب من أرض المعركة مثل التقديرات السياسية وإن كانت المليشيا تملك الأسلحة المتقدّمة فإن السلاح لايقاتل ولكن يقاتل الرجال وقد انسحب جنود وضباط الفرقة وعيونهم دامعة وهم في شوق للقاء الجنجويد ولكن تقديرات القيادة أرغمتهم على ابتلاع القرار المر ومابين مشهد مدينة ودمدني ومشهد الفريق الشهيد معاوية حمد في بابنوسة تبدو المفارقة الكبيرة بين موقف وآخر وبين قائد وآخر قاتل معاوية حمد قائد الفرقة “٢٢” بابنوسة حتى لقى ربه وأنفه في السماء وروحه رخيصة من أجل تراب الوطن قاتل معاوية واخواته في قيادة الفرقة ورفيق دربه حسن درمود حتى الموت وإن كان الأخير أي البطل درمود كان يمكنه أن يغادر الفرقة مبكّراً وقدم له أهله وعشيرته من المسيرية المغريات لينجو بنفسه ولكنه رفض في كبرياء وشموخ وإباء عن يغادر الرفاق وعندما سقطت مدني بانسحاب اللواء أحمد الطيب كان بالمدينة ملايين من سكّانها ومن الذين استجاروا بها من سكّان الخرطوم تركهم أحمد الطيب لأقدارهم واختار النجاة ببدنه بدلاً من الموت من أجلهم وفي مشهد بابنوسة حينما حاصرها الجنجويد كانت بابنوسة المدينة عبارة عن بيوت أشباح طُرد منها أهلها وتحت قسوة القصف المدفعي بتهديد المليشيا كانت بابنوسة لحظة حصارها خالية من السكان ولو انسحب اللواء معاوية حمد وجنوده لما عاتبهم أحداً ولكان انسحاباً مبرّراً والجندي يقاتل من أجل هذا الشعب وحينما تصبح المدينة عبارة عن أطلال ومباني مهجورة تضعف نوازع القتال بينما يستمد المقاتلين روحهم من وجود شعبهم وكان حرياً بأحمد الطيب القتال من أجل الملايين من سكان ودمدني وكان مبرراً إذا انسحب معاوية حمد درمود من بابنوسة التي ينعق في بيوت السكة حديد وسوق المدينة بوم الصيف وحتي (الكلجو) هي كما هجر وزين عبدالقادر سالم حينما جف الرهيد ولكن معاوية حمد الشهيد الذي خلد اسمه في سجل الأبطال كان يقاتل عن رمزية الفرقة “٢٢” ويقاتل عن شرف الجندية وعن شعب قهره الطغاة لم ترتعد أطراف الشهيد معاوية حمد والآلاف من جنوده وهم يواجهون الموت بشجاعة وحصدت دبابات الإمارات أرواح الأبطال وفشلوا في أسر جندي أو ضابط في بابنوسة حتى يمثّلون به كعهدهم مع الأسرى ،مات معاوية حمد واقفاً في خط النار ولايزال مصير العميد حسن درمود مجهولاً هل استشهد أم لايزال على قيد الحياة؟ وهل انسحب مع القوة التي وصلت هجليج؟ أم في مكان آخر، ومن حق أهل السودان السؤال عن بطل من الأبطال الخالدين في سفر التاريخ العسكري والتاريخ السياسي والاجتماعي وسيبقى معاوية حمد في ذاكرة هذا الشعب فتى قدّم روحه من أجل الدين والوطن الكاكي بينما يقبع أحمد الطيب في سجنه وفي قلبه حسرة على مافرّط ؟ أما كان أكرم وأفضل أن يموت أحمد الطيب في أسوار الفرقة الأولى شهيداً بدلاً من أن يقبع في السجن بتهمة التقصير وهي تعبير تحسيني لوصفة الخوف لم نكتب عن أحمد الطيب وهو متّهماً منذ القبض عليه ووضعه في الحبس ولكن اليوم سنكتب عنه وهو في مقام من قصّر في أداء الواجب بينما في كل يوم يرتقي معاوية حمد مقاما عليّاً،انها قصة جنرالين في مدينتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top