دبّت فيه الحياة بعد تخريب الحرب..
“شارع الحرية”.. تعافي يواجه عقبة الديون..
تحقيق: إسماعيل جبريل تيسو
شكاوى من ملاحقة الديون وتراجع الحركة الشرائية
المحال والمخازن تعرّضت للحرق و”الشفشفة” من المليشيا
مخاوف من مغادرة التجّار السوق
مطالب بتدخّلات حكومية لحل الأزمة
دبّ نبض الحياة من جديد في شارع الحرية بالسوق العربي في الخرطوم، وعادت ساقية حركته التجارية إلى الدوران من جديد، بعد إعادة افتتاحه رسمياً وسط احتفالات شعبية كبيرة، شملت الذبائح والزغاريد، وبحضور والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة وعدد من المسؤولين الحكوميين، في مشهد جسّد شوق التجار والمواطنين لعودة الحياة الاقتصادية بعد توقف طويل فرضته الحرب، ويُعد شارع الحرية من أشهر شوارع السوق العربي، حيث يتركز فيه نشاط تجارة الأجهزة والمعدات الكهربائية، غير أن فرحة الافتتاح سرعان ما اصطدمت بواقع اقتصادي صعب، إذ يشكو التجار من أزمات متراكمة تتعلق بديون قديمة للوكلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما جعل العودة إلى النشاط التجاري محفوفة بالمخاوف رغم الأمل الكبير.
دلالات العودة
وتحمل عودة فتح المحال التجارية بشارع الحرية دلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، تتجاوز حدود السوق نفسه، باعتباره أحد الشرايين الحيوية التي تغذي الأسواق في الخرطوم والولايات، ومؤشراً على بدء تعافي الحياة الاقتصادية في العاصمة بعد الحرب، وشهد الشارع إعادة افتتاح عدد من المحال التجارية، في محاولة جادة لاستعادة النشاط، وسط مطالبات من التجار بإيجاد معالجات عاجلة لقضية الديون المتراكمة، التي يقولون إنها تثقل كاهلهم وتهدد استمرارهم في السوق، في وقت يسعون فيه للوقوف على أرجلهم من جديد بعد سنوات من التوقف والخسائر جراء الحرب، ويرى مراقبون أن عودة شارع الحرية تمثل رسالة طمأنة للأسواق الأخرى، لكنها في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرة الدولة على معالجة تركة الحرب الاقتصادية، وتهيئة بيئة آمنة ومحفزة للتجارة والاستثمار.
أبعاد المشكلة
ويشكو تجار شارع الحرية من أن الديون التي يطالبهم بها الوكلاء تعود لبضائع تم شراؤها قبيل اندلاع الحرب في 2023م، قبل أن تتعرض محالهم ومخازنهم لعمليات نهب وسرقة وحرق واسعة النطاق، عُرفت شعبياً بـ(الشفشفة)، ما أدى إلى فقدان كامل لتلك البضائع دون أي عائد، ويحذر التجار من أن استمرار هذا الوضع دون معالجة جادة قد يدفع عدداً كبيراً منهم إلى مغادرة السوق نهائياً، الأمر الذي سينعكس سلباً على حركة التجارة، ويهدد مصادر رزق آلاف الأسر المرتبطة بهذا النشاط، فضلاً عن إضعاف دور السوق العربي كمركز اقتصادي رئيسي.
بداية مشرِّفة ولكن
ويؤكد المتحدث باسم لجنة تجار شارع الحرية، معاذ قريب الله الفنجري، أن إعادة فتح محال السوق تمت في 15 يوليو 2025 بعد تحرير الخرطوم، بحضور والي الخرطوم وحكومته، ومشاركة القوات النظامية من الجيش والشرطة وجهاز الأمن والوزارات المختصة، واصفاً البداية بأنها بالمشرفة والمبشرة، وقال الفنحري في إفادته للكرامة إن الدولة اتخذت خطوات إيجابية تمثلت في إعفاء السوق من الرسوم والضرائب وكافة المصاريف حتى نهاية العام 2025م، إلى جانب تأمين السوق بواسطة الأجهزة الأمنية، مقدّراً هذه الجهود، ومعبّراً عن تطلع التجار لمزيد من الدعم، وأشار إلى أن أزمة الديون نتجت مباشرة عن الحرب، التي أدت إلى نهب وحرق كامل بضائع سوق شارع الحرية من الأجهزة والمعدات الكهربائية، مقدّراً حجم الخسائر بأكثر من 250 مليون دولار، مبيناً أن غالبية هذه البضائع تعود ملكيتها للشركات المصنعة والموردة، ويتم توزيعها وبيعها عبر تجّار الشارع وفق نظام حسابات متفق عليه.
مواقف متباينة
ويستطرد المتحدث باسم لجنة تجار شارع الحرية، معاذ قريب الله الفنجري في إفادته للكرامة متناولاً مواقف بعض الشركات التي وصفها بالوطنية المشرفة، حيث أمهلت هذه الشركات التجار فرصة لسداد الديون، بل إن بعض الشركات لم تطالب بديونها حتى الآن تشجيعاً لعودة النشاط، غير أن شركات أخرى أصرت على سداد المديونيات، وقيَّمت البضائع المفقودة وفق السعر الحالي للدولار، بما يفوق قيمتها السابقة بأكثر من سبعة أضعاف، مع التهديد بإجراءات قانونية تشمل الحبس ورهن الممتلكات، مبيناً أن التجار تضرروا من الحرب وحرجوا منها بلا بضائع ولا سيولة، واليوم يجدوا نفسهم مطالبين بسداد ديون عن سلع نُهبت أو أُحرقت، كيف يعودون للعمل في ظل هذه الظروف؟.
تحدي اقتصادي
والواقع أن أزمة شارع الحرية، تكشف عن تحدٍ أوسع يواجه الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب، يتمثل في كيفية التوفيق بين حقوق الشركات والدائنين من جهة، وحماية النشاط التجاري ومصادر رزق المواطنين من جهة أخرى، ويرى خبير اقتصادي واستراتيجي متخصص فضّل حجب اسمه أن الحل يكمن في تدخل الدولة بوصفها الجهة السيادية القادرة على تنظيم العلاقة بين التجار والوكلاء، وذلك من خلال الإقرار بالطابع القهري لخسائر الحرب، وإعادة جدولة الديون أو إسقاط جزء منها، والإشراف على حوار مباشر بين التجار والشركات للوصول إلى تسويات عادلة، مع ضبط أسعار الإيجارات التجارية، التي ارتفعت إلى مستويات لا تتناسب مع ضعف النشاط بذريعة ارتفاع الدولار، مع ضرورة تمديد الإعفاءات الضريبية والرسوم إلى نهاية العام الجاري 2026م، كحافز حقيقي لعودة التجار للأسواق، وحذر الخبير الاقتصادي من أن تجاهل هذه المعالجات قد يؤدي إلى فشل محاولات التعافي، ويحوِّل عودة الأسواق إلى مجرد مشاهد احتفالية بلا أثر اقتصادي مستدام.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. ما بين أفراح عودة الحياة إلى شارع الحرية، ومخاوف المستقبل، يقف أصحاب المحال التجارية بشارع الحرية عند مفترق طرق، فإما أن تُترجم هذه العودة إلى انتعاش اقتصادي حقيقي تدعمه قرارات شجاعة ومعالجات عادلة، أو أن تتحوَّل إلى محاولة قصيرة العمر تعصف بها الديون وارتفاع التكاليف، ويبقى تدخل الحكومة، بحسب التجار، هو الضامن الأساسي لحماية شارع الحرية كرمز للتجارة، وشريان حيوي للاقتصاد المحلي، وركيزة أساسية في مسار تعافي الخرطوم واستقرار السودان في مرحلة ما بعد الحرب.






