قراءة في مقال رئيس مجلس السيادة ب” (Almanac diplomatique) التركية..
البرهان ..خطاب الرسائل الصلِبة..إشارات السيادة ورفض تدويل الشرعية..
تقرير :رحمة عبدالمنعم
شروط الحل..الأمن أولاً ولا تفاوض مع سُلطة موازية
الانسحاب وإنهاء مراكز القوة.. خطوط حمراء تسبق التفاوض
خبير: المقال أعاد تعريف حرب السودان بسرديّتها الحقيقية
ويأتي مقال رئيس مجلس السياة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في صحيفة Almanac diplomatique التركية أمس الأحد، بوصفه أكثر من مجرد رأي سياسي، إذ يمكن قراءته كوثيقة خطابية موجَّهة بعناية إلى جمهورين متداخلين: الداخل السوداني المنهك بالحرب، والخارج الإقليمي والدولي الباحث عن مفاتيح لفهم الموقف الرسمي للدولة السودانية،المقال، في مجمله، يعكس محاولة لإعادة تعريف الأزمة السودانية خارج ثنائية “صراع الجنرالات”،التي يردّدها البعض ووضعها ضمن إطار أشمل يتصل بمفهوم السيادة، وشرعية الدولة، ومآلات النظام الإقليمي.
إعادة توصيف الحرب
ويرى خبراء أن أبرز ما يلفت في المقال هو إصرار قائد الجيش الفريق أول ركن البرهان على نزع الطابع “التقني” أو “العسكري المحض” عن الحرب، وتقديمها بوصفها أزمة سيادة وبنية دولة، هذا التوصيف ليس لغوياً فحسب، بل سياسي بامتياز،فهو يهدف إلى تثبيت سردية أن ما يجري ليس تنازعًا على السلطة، بل محاولة لفرض “سيادة موازية” عبر السلاح.
بهذا الطرح، يسعى البرهان إلى نقل النقاش من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال كيف تُحكم الدولة؟، وهو انتقال يخدم موقف القوات المسلحة باعتبارها – وفق المقال – الحارس الأخير لوحدة الدولة واستمراريتها. كما يعكس محاولة لتجفيف أي شرعية سياسية أو تفاوضية لقوات الدعم السريع، عبر ربط وجودها باستمرار حالة “التمرد” لا بحل الأزمة.
وفي مقاله “لماذا نقول الأمن أولًا؟”، يقدّم البرهان مفهوم الأمن ليس كأولوية عسكرية، بل كشرط تأسيسي لأي عملية سياسية ذات معنى. هنا يوجّه رسالة مزدوجة: للوسطاء الدوليين الذين يضغطون باتجاه وقف إطلاق نار غير مشروط، وللقوى السياسية التي تراهن على تسوية سريعة دون معالجة اختلال ميزان القوة على الأرض.
ويشير الخبير الأكاديمي الدكتور عبد القادر الطاهر في تعليقه ل(الكرامة) البرهان لا يرفض التفاوض من حيث المبدأ، بل يعيد ضبط شروطه، واضعاً نزع السلاح الثقيل وإنهاء مراكز القوة الموازية في قلب العملية السياسية، ويضيف أو هذه المقاربة تعكس فهماً بأن أي انتقال مدني في ظل تعدّد الجيوش سيكون انتقالًا هشاً، قابلًا للانهيار عند أول اختبار، وهو درس مستخلص من تجارب إقليمية
التدخل الخارجي… تدويل الأزمة
ويتعامل المقال بحذر محسوب مع مسألة التدخلات الخارجية ،ويرى الخبير السياسي خالد التوم، أن البرهان يقرّ بوجود دعم خارجي لمليشيا الدعم السريع، لكنه يتجنب تسمية الدول بشكل مباشر، مفضّلًا الإحالة إلى “تحقيقات عدة،. وهذا الأسلوب يعكس رغبة في تدويل الرواية السودانية دون الانزلاق إلى صدام دبلوماسي مفتوح.
في الوقت نفسه، يضع المقال خطًا أحمر واضحًا: لا حلول مفروضة من الخارج. وهنا يرفض البرهان الوصاية الخارجية، لكنه يسعى إلى كسب تعاطف ودعم إقليمي ودولي عبر إعادة تعريف الحرب كتهديد للاستقرار الإقليمي، لا كأزمة داخلية معزولة.
ويشير التوم إلى أن الجزء المتعلق بالكارثة الإنسانية في مقال الرئيس هو الأكثر كثافة من حيث الأرقام والصور، ويؤدي وظيفة مزدوجة: إنسانية وأخرى سياسية. فمن جهة، يعترف المقال بحجم المأساة غير المسبوقة، ومن جهة أخرى، يعيد ربط هذه الكارثة بغياب الدولة ووجود السلاح خارج إطارها.
ويمضي إلى أن طرح “الدبلوماسية الإنسانية” هنا ليس محايداً بل يأتي كأداة لاستعادة دور الدولة بوصفها المنسق الشرعي للمساعدات، في مقابل شبكات الأمر الواقع. كما يمنح المبادرات المحلية والمتطوعين شرعية وطنية، باعتبارهم امتدادًا لصمود المجتمع لا بديلًا عن الدولة.
تركيا ..شريك ما بعد الحرب
ويؤكد مراقبون أن اختيار البرهان صحيفة تركية ومنبر دبلوماسي للحديث عن “الشراكة الاستراتيجية” ليس تفصيلاً عابراً. فالبرهان يقدّم تركيا كنموذج مختلف عن بقية الفاعلين، كشريك في إعادة الإعمار لا طرفًا في هندسة الحل السياسي.
والحديث عن تسهيلات التأشيرات والاستثمار يفتح نافذة على رؤية اقتصادية لما بعد الحرب، ويشير إلى رغبة في بناء تحالفات قائمة على التنمية لا على التوازنات العسكرية. كما يعكس محاولة لربط تعافي السودان بشبكات اقتصادية إقليمية مستقرة، بعيدًا عن اقتصاد الحرب.
والإشارة إلى نموذج “أرض الصومال” في ختام المقال تحمل دلالة تتجاوز الحالة السودانية. فهي تحذير مبطّن من فتح باب الاعتراف بالكيانات المنفصلة، لما لذلك من تأثير عدوى في الإقليم، هنا يقدّم البرهان نفسه مدافعًا عن مبدأ سيادي إقليمي، لا عن حدود السودان فقط.
خطاب الرسائل الصلبة
ويمكن القول إن مقال البرهان يشكّل محاولة واعية لإعادة بناء الشرعية السياسية للقوات المسلحة عبر خطاب سيادي، إنساني، وتنموي في آن واحد. هو خطاب لا يخلو من الرسائل الصلبة، لكنه مغلف بلغة دبلوماسية تسعى إلى كسب الحلفاء لا استعداء الخصوم.
المقال لا يقدّم حلولًا تفصيلية بقدر ما يرسم إطاراً ذهنياً لفهم الأزمة دولة أولًا، أمن كشرط للسياسة، وسيادة كخط أحمر. وفي هذا المعنى، فإن أهميته لا تكمن فقط في ما قاله، بل في الجمهور الذي خوطب به، والتوقيت الذي نُشر فيه، كجزء من معركة الرواية حول مستقبل السودان.






