حديث السبت
يوسف عبد المنان
بعد تعثّر وتبايُن في الموقف.. البرهان يختار عمر عيسى سفيراً بالصين
هل يعود “التنين” إلى قلب أفريقيا مرة أخرى؟
إعادة الحياة للعلاقات السودانية الصينية تتطلّب إرادة عليا
هل تنجح جهود عقار في حمل سلفاكير على تنظيف جيوب بول ميل الإماراتية ؟
المحارب القديم يدرك المخاطر على النيل الأزرق وأمن دولة الجنوب
1
فتح قرار الرئيس البرهان بالموافقة على ترشيح السفير عمر عيسى ممثلاً ورئيساً لبعثة السودان في أكبر دولة في العالم الآن بعد الولايات المتحدة الأمريكية وأهم محطة خارجية في السابق والراهن والمستقبل، فتح أبواب التساؤلات الحائرة لماذا لبّى الفريق البرهان مؤخراً طلب وزير خارجيته بترشيح الدبلوماسي المثير للجدل سفيراً في الصين ليعود مجدّداً لمحطة غادرها الرجل قبل سنوات طويلة، وسط تباين حول أداء السفير الذي يعتبره البعض من الكفاءات النادرة التي عملت بإخلاص وتفانِ في خدمة بلادها وكان له سهماً وفضلاً في إزدهار العلاقات بين بكين والخرطوم حتى غدَت الصين حائطاً صلِداً تكسّرت على أسواره قرارات مجلس الأمن الدولي التي كانت تتربّص بالسودان بسبب توجّهه الشرقي، ولكن آخرين يعتبرون السفير عمر عيسى قد مكث طويلاً في تلك البلاد وأن الرجل تمدّد نفوذه داخل الخرطوم عميقاً جداً وبعد الثورة إمعاناً في أضعاف الخارجية ومحاربة الكفاءات بزعم الانتماء للتيارات الإسلامية الوطنية طُرد السفير عمر عيسى من الخارجيه بأمر لجنة تفكيك التمكين التي كانت دولة فوق الدولة حتى عاد بأمر المحكمة وتم ترشيحه مرة أخرى سفيراً للسودان بالصين ولكن تباطأت جهات سيادية في الترشيح ولم تشفع له الحيثيات التي دفع بها السفير وزير الخارجية على يوسف الذي لم يمكث طويلاً والآن بعد تعيين السفير محي الدين سالم وزيراً للخارجيه فكّر وقدّر ونظر واستدبر وقرّر ترشيح السفير عمر عيسى حتى جاء استقباله الاسبوع الماضي من قبل الرئيس البرهان ووضع بين يديه الوصايا العشر وهي وصايا ربما أكثر عمقاً من وصايا جوزيف كوني زعيم جيش الرب اليوغندي التي زعم أنها تنزّلت عليه من السماء لإصلاح سكان الأرض، ووصايا البرهان ورغبته في طي صفحة الماضي تمثّل وقوداً لقاطرة السفير الذي يواجه مهمة صعبة وشائكة في إصلاح ما أفسده القحاتة.
2
ودّعت مدينة بورتسودان التي غادرها معظم الوزراء ولم يبقى غير وزير الخارجية ومفوض العون الإنساني وبعض الوزراء ممن ينتابهم الحنين إلى الماضي حيث عاد بالأمس وزيري الإعلام الشؤون الإجتماعية وكأنهم يرددون مع عوض جبريل رائعة كمال ترباس:
“جاي تفتّش الماضي والماضي ولى زمان.. جفّت مقلتي الباكية ونامت من سنين أحزان”.
بكى كثيرون لرحيل العاصمة من بورتسودان ولكن تبقى حقيقة أن الخرطوم لم تعُد بذلك البهاء والوسامة والجمال ووسط الخرطوم ينعق بومه في رابعة النهار وفي فندق الربوة الذي يمثل واجهة سياحية أنيقة جداً اختار الدكتور عبدالله محمد علي بلال الذي يمثل واحداً من رجال قلائل يزرعون الأمل في النفوس يجمعون الاخوان بعد شتات وتفرق ويدفعون من جيوبهم المثقوبة لواجب الضيافة وواجب الاستقبال وفريضة الوداع أقام عبدالله بلال احتفالية صغيرة تكريماً وفرحاً واحتفاءً السفير عمر عيسى ورجلا آخر هو مكي عبدالنبي شاب اجتهد وصدق مع نفسه والآخرين وتنقّل بين المنظمات حتى بلغ صندوق الملك سلمان بن عبدالعزيز وهو من أبناء كردفان محلية أم روابة التي أنجبت للسودان ماضياً وحاضراً ميرغني عبدالرحمن الحاج سليمان العمدة عربي وآل النور عنقرة واللواء التاج كاتم أسرار معركة الكرامة وشعراء وأدباء ورجال أعمال مفكرين مثل د. مضوي ابراهيم وفيصل حسن إبراهيم ووزير الدفاع يسن ابراهيم والفريق محمد بشير سليمان والدكتور أبوبكر كوكو وكيل وزارة الرعاية الاجتماعية الاتحادية ورجل الأعمال الكبير عثمان أحمد حسن وفارس الجوامعة الراحل حسن سعد الذي يمضي في دربه حافراِ بحافر إبنه الدكتور عبدالله بلال الذي استطاع أن يجمع مساء الخميس نخباً من أطياف المجتمع العريض يتقدّمهم الوزير الشاب معتصم أحمد صالح والفريق الباهي قائد المقاومة الشعبية والوزير السابق أسامة ونسي ونائب رئيس اتحاد الصحافيين محمد الفاتح ورجل الأعمال أحمد فضل الله مدير شركة ويلز وآدم سراقة وعدد كبير من رموز السودان مثل بشارة سليمان نور مستشار حركة العدل والمساواة ورئيس تنسيقية المسيرية البلة جودة ومدير مكتب قناة الجزيرة بالإنابة عبدالباقي الظافر وشكّل الحضور قوس قزح احتفاءً برجل دبلوماسي مقبل على مهمة صعبة وعسيرة جداً.
3
لماذا تبدو مهمة عمر عيسى صعبة دون بقية السفراء الإجابة لأن الرجل قصير القامة واسع الخيال مطالب من قبل الشعب السوداني بإعادة الحياة الي العلاقات السودانية الصينية التي مرّت بمنعطفات كبيرة وتوتّرات مكتومة خاصة بعد سقوط النظام السابق الذي جسّر لعلاقات استراتيجية مع الصين التي استثمرت في البترول بالسودان واستطاعت الشركات الصينية أن تدخل السودان قبل الانفصال إلى منظومة الدول المُصدِّرة للبترول “أوبك” ووصل الإنتاج الي مايقارب ال”600″ الف برميل في اليوم وعاش السودان رغداً من العيش ورفاهية في المال، لكن الذهب الأسود كان واحداً من أسباب انفصال جنوب السودان ثم انحدر الإنتاج الي أسفل وبدأت الآبار في النضوب وانفصل الجنوب وما أمر الجوع بعد الشبع فقد تدهور الإنتاج في سنوات القحط والجفاف الثوري وأساء ناشطي الحرية والتغيير إلى الصين وبدأ رئيس الوزراء الأسبق عبدالله حمدوك غير راغب في مجرّد التفاهم مع ديون الصين على السودان ولا حرصاً على علاقة مع العملاق الصيني حتى اندلعت الحرب وانخفض الإنتاج الي أقل من “55” الف برميل في اليوم وجنوب السودان “169” ألف برميل في اليوم وفي كل يوم يتدحرج الإنتاج وتمدّدت مليشيا الدعم السريع ودمّرت حقول النفط الصينية بالأسلحة والمسيرات الصينية التي تصل يومياً إلى نيالا من بكين عبر مطارات دولة الإمارات ، والصين اختارات في السنوات الماضية شركاء أفارقة آخرين بدلاً عن السودان مثل إثيوبيا ويوغندا فهل بمقدور السفير عمر عيسى الذي له علاقات راسخة في الدولة الصينية والحزب الشيوعي الصيني والشركات النفطية العملاقة العودة بالعلاقة كما كانت في الماضي(أم الماضي ولى خلاص) ،وهل مهمة عودة العلاقة مع الصين يستطيع سفير وحده القيام بها؟ أم هي في حاجة إلى إرادة سياسية عليا في الدولتين ورغبة مشتركة؟
والصين التي لعبت دوراً كبيراً في تنمية كثير من البلدان الأفريقية بمشاريع عملاقة فهل يعود السودان إلى حلفائه الأقرب وجدانياً والأقل كلفة أم يمضي في الرهانات على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية!.
وعلى أية حال يمثل عودة السفير عمر عيسى إلى الصين ثقباً في الجدار الأصم الذي تراكمت عليه الأحداث بين بكين والخرطوم.
4
الزيارة المهمة التي قام بها الفريق مالك عقار إير نائب رئيس مجلس السيادة إلى دولة جنوب السودان تعتبر من الزيارات الهامة في هذا الوقت نظراً لتراكم الأحداث بين الدولتين خاصة مايجري في النيل الأزرق من تصعيد للعمليات من قبل دولة الإمارات من خلال جوزيف تكة الذي أصبح الرجل الثالث في جيشه بالنيل الأزرق بعد التحالف مع المليشيا التي جاءت بقيادات من الماهرية والرزيقات لخوض الحرب في النيل الأزرق، وتمر شُحنات الوقود والأسلحة عبر جنوب السودان استطاع مالك عقار بصفته محارب قديم ومخلص لفكرة مشروع الحركة الشعبية في الدخول في عمق القضايا بين الدولتين وقيادة حوار مباشر مع قادة أجهزة الأمن والمخابرات في جنوب السودان بشأن الاختراق الذي يحدث للأمن في الجنوب ويتضرّر منه السودان ووجد حديث مالك عقار الإحترام والتقدير من قيادة دولة جنوب السودان وقادة أجهزة الدولة ولكن لايزال التهديد قائماً على النيل الأزرق بعد نشوب معارك “ملكن” و”السلك” وقد استطاعت القوات المسلحة صد هجوم آل دقلو على النيل الأزرق بتماسك قوات الفرقة الرابعة، وإذا ما نجحت جهود عقار في حمل سلفاكير على تنظيف جيوب بول ميل التي لاتزال تعمل لصالح الإمارات وضد السودان فإن النيل الأزرق بما يملك من قوة بشرية مقاتلة ،صد العدوان الإثيوبي الإماراتي والقضاء على خطر جوزيف تكة.






