تنفست الصُّعَداء بدخول الجيش واستعادت نبض الحياة..
الدلنج.. من الحصار إلى الاستقرار..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
وصول شاحنات المواد الغذائية وانخفاض كبير للأسعار..
بشريات تثبيت دعائم الأمن أولوية قصوى لتجنّب مغامرات التمرّد تعاظُم مسؤولية أبناء المدينة للمساهمة في إعادة الإعمار .
دور مهم لجامعة الدلنج في ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز السلم المجتمعي ..
الوالي دعا المركز والمنظمات لسرعة تقديم المساعدات الإنسانية..
لأول مرة منذ اندلاع الحرب، تستقبل مدينة الدلنج صباحاتها بلا حصار ولا خوف، حيث شهدت المدينة، عقب دخول القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة ، وفكّ الطوق الذي خنقها لأكثر من عامين، انخفاضاً غير مسبوق في أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية والطبية والوقود، في مشهد أعاد للأذهان صورة المدينة قبل أن تطالها نيران الحرب والحصار ، وخلال أيام قليلة فقط من فك الحصار، بدأ سوق الدلنج يستعيد عافيته تدريجياً، مع تدفّق الشاحنات المحملة بالبضائع ووفرة السلع الأساسية، ما انعكس مباشرة على الأسعار التي تراجعت بصورة كبيرة وملحوظة، وسط حالة من الارتياح الشعبي وهدوء عام عمّ أرجاء المدينة، ويترقّب المواطنون مزيداً من البشريات، آملين أن تكون هذه المؤشرات الاقتصادية المبكرة فاتحة لمرحلة استقرار مستدام وحياة طبيعية طال انتظارها. تبدّد كابوس الحصار وتنفست الدلنج الصُعداء بعد إعلان فكّ الحصار الذي فرض عليها أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة، تمثّلت في ضائقة معيشية خانقة، وارتفاع جنوني في الأسعار، وانعدام كثير من السلع الضرورية، إلى جانب القصف المتكرّر والهجمات بالطائرات المسيّرة التي جعلت شبح الموت رفيقاً ليوميات السكّان، وأعرب مواطنون تحدثوا ل(الكرامة) عن ارتياحهم الكبير لتبدّد كابوس الحصار، معبرين عن تفاؤلهم بأن يشكل هذا التحوّل الميداني بداية حقيقية لانفتاح سماء المدينة أمام الدعم الإنساني، ووصول الإغاثات بصورة منتظمة، بعد بدء انسياب المواد الغذائية، بما يخفف معاناة السكان ويعيد عجلة الحياة إلى مسارها الطبيعي. أولوية تثبيت الأمن ورغم مشاهد الفرح المشروعة، يبرز تحدٍ بالغ الأهمية يتمثل في ضرورة الانتقال السريع من مربع الاحتفال بالانتصار إلى مربع العمل الجاد لتثبيت الأمن والاستقرار، واستعادة عافية الدلنج بصورة محكمة، تقطع الطريق أمام أي محاولات لزعزعة الاستقرار من قبل متمردي تحالف (الحلو – دقلو)، وتفرض التجارب السابقة في بعض المدن التي جرى تحريرها ثم عادت لاحقاً إلى قبضة ميليشيا الدعم السريع، قدراً عالياً من الحذر في إدارة المرحلة الراهنة، ويجمع مراقبون على أن تأمين محيط المدينة وخطوط الإمداد يمثل حجر الزاوية لضمان عدم تكرار سيناريوهات مؤلمة، وبناء سلام قابل للاستمرار. مسؤولية أبناء الدلنج وفي موازاة الجهد العسكري والأمني، تتعاظم مسؤولية أبناء الدلنج داخل السودان وخارجه، عبر إطلاق مبادرات جادة ومنظمة تسهم في إعادة إعمار المدينة وتنميتها، وتنتقل بالفعل الأهلي من رد الفعل العاطفي إلى التخطيط المستدام، ويُنتظر أن تشمل هذه المبادرات دعم الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل المرافق الحيوية، والمساهمة في إنعاش الاقتصاد المحلي، بما يعيد للدلنج عافيتها ويجعلها تعود أقوى مما كانت عليه قبل الحرب. جامعة الدلنج وتبرز جامعة الدلنج كإحدى أهم المنارات التعليمية في جنوب كردفان، إذ شكّلت على الدوام مساحة وطنية جامعة، التقى فيها طلاب من مختلف ولايات السودان وإثنياته وثقافاته، لتصبح ركيزة من ركائز الوحدة الوطنية، ومن هذا المنطلق، يُنتظر أن تضطلع الجامعة، لا سيما عبر مركز دراسات السلام، بدور محوري في مرحلة ما بعد الحرب، من خلال تنظيم السيمنارات والبرامج التوعوية التي تعزز ثقافة التعايش السلمي، وتسهم في ترميم النسيج الاجتماعي ودعم جهود التنمية. الاستثمار والتعافي واغتنم والي جنوب كردفان محمد إبراهيم عبد الكريم فرصة الاحتفالات برفع الحصار عن مدينة الدلنج ودعا جميع أبناء الولاية، من مفكرين وأعيان وإدارات أهلية وشباب ونساء، في الداخل والخارج، إلى التكاتف وتقديم الأفكار والرؤى لبناء مجتمع آمن ومستقر، وقال الوالي في إفادته ل(الكرامة) إن جنوب كردفان تُعد من الولايات الواعدة بإمكاناتها الكبيرة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية، مشيراً إلى أن منطقة هبيلا تُعد من أكبر وأخصب المناطق الزراعية في السودان، ومناشداً المزارعين الاستعداد للموسم الزراعي الجديد، مع التزام حكومة الولاية ولجنة الأمن بتأمين المناطق الزراعية تأميناً كاملاً، كما كشف عن توجه الولاية لفتح الباب واسعاً أمام الاستثمارات في مجالات التعدين بمختلف أنواعه، والزراعة، والصناعة، والثروة الحيوانية، والسياحة، مع خطة لتبسيط الإجراءات وجذب المستثمرين، مستندة إلى ما تزخر به الولاية من موارد طبيعية ومقومات سياحية وتراثية، وجدد والي جنوب كردفان مناشدته للحكومة المركزية ومنظمات العمل الإنساني للإسراع في دعم إنسان الولاية بالمواد الإغاثية الضرورية، مؤكّداً أن المواطنين صبروا طويلاً على معاناة قاسية وأزمة اقتصادية ممتدة، وأن الوقت قد حان لتعويضهم ومساندتهم لعبور هذه المرحلة. خاتمة مهمة على كلٍّ، فإن فكّ الحصار عن مدينة الدلنج، يمثٍل محطة مفصلية في مسار الحرب بجنوب كردفان، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تحديات لا تقل تعقيداً عن معركة السلاح، فالانتصار الحقيقي لا يكتمل إلا بتثبيت الأمن، وإعادة الإعمار، وترميم النسيج الاجتماعي، وتكامل أدوار الدولة والمجتمع وأبناء المدينة في الداخل والمهجر، وبين نشوة التحرير وصعوبة البناء، تقف الدلنج أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف ذاتها كمدينة للحياة والسلام، إذا ما أُحسن استثمار لحظة ما بعد الحصار بحكمة ومسؤولية.






