أدلة جديدة بشأن جرائم المليشيا في الإقليم “الجنجويد” في دارفور..استراتيجية التجويع

أدلة جديدة بشأن جرائم المليشيا في الإقليم

“الجنجويد” في دارفور..استراتيجية التجويع

“الغارديان” فضحت استخدام طائرات مسيّرة لتدمير الحقول الزراعية

تقرير جامعة ييل وثًق استهداف “41” مجتمعاً زراعياً في المنطقة

الأقمار الاصطناعية تكشف تدمير منظومة الغذاء حول الفاشر

“28” قرية بشمال دارفور غابت عنها مظاهر الحياة..تهجير ممنهج

خبراء قانونيون: ضرب الأمن الغذائي جريمة حرب

تقرير :رحمة عبدالمنعم
كشفت تحقيقات حديثة نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، مدعومة بتحليلات تقنية وصور أقمار اصطناعية، عن ما وصفه خبراء بـ”إستراتيجية تجويع” انتهجتها مليشيا الدعم السريع ضد المجتمعات الزراعية في شمال دارفور، في إطار الحرب الدائرة في السودان، عبر استهداف الحقول الزراعية وتدمير منظومة إنتاج الغذاء في محيط مدينة الفاشر.
ويعتمد التحقيق على بيانات تحليلية جمعها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل (HRL)، والتي تشير إلى أن الهجمات التي نُفذت بين مارس ويونيو 2024 لم تكن أحداثًا معزولة، بل جزءاً من خطة ممنهجة لتدمير النظام الغذائي المحلي وقطع الإمدادات الزراعية عن مدينة الفاشر، التي كانت تحت حصار امتد لأشهر طويلة.

أدلة الأقمار الاصطناعية
ووفقاً لتحقيق صحيفة الغارديان أمس الثلاثاء ، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية طائرات مسيّرة تابعة لمليشيا الدعم السريع وهي تشن هجمات جوية على الحقول الزراعية التي يديرها مزارعون في شمال دارفور،ويرى خبراء أن البيانات التي تم جمعها عبر أجهزة الاستشعار وتقنيات الاستشعار عن بعد تقدم أدلة يمكن استخدامها أمام المحاكم الدولية لإثبات استهداف المجتمعات الزراعية بشكل متعمد.
وحدد الباحثون في مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل نحو “41” مجتمعاً زراعياً تعرضت لهجمات خلال الفترة ما بين مارس ويونيو 2024، فيما اختفت مظاهر الحياة البشرية بالكامل في 68% من القرى المستهدفة، أي 28 قرية.
كما سجلت المنطقة زيادة في مؤشرات الحرائق بنسبة 330% مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما يعكس حجم الدمار الذي طال المنازل والبنية التحتية والمزارع في تلك القرى.
انهيار النشاط الزراعي
وتشير التحليلات إلى أن النشاط الزراعي في محيط القرى المستهدفة تراجع بنسبة 82%، ما يعني عملياً توقف إنتاج الغذاء بشكل شبه كامل نتيجة عمليات القتل والتهجير القسري للمزارعين.
وبحلول سبتمبر 2024، هُجرت معظم القرى التي كانت تصمد لسنوات طويلة رغم التوترات الأمنية، وتوقفت الزراعة تماماً؛ إذ تُظهر صور الأقمار الاصطناعية نمو النباتات البرية بكثافة فوق المنازل المهجورة والأراضي الزراعية التي لم تعد تُفلح.
ويقول الخبراء إن هذا التحوّل يعكس تدميراً شبه كامل للقدرة الزراعية في المنطقة، الأمر الذي ساهم في تفاقم أزمة الغذاء وارتفاع معدلات الجوع بين السكان.
شهادات من الميدان
ونقل التحقيق شهادة أحد سكان المنطقة، عمار جاد، الذي تحدث عن الهجمات التي استهدفت القرى الزراعية قائلاً:”كانت الحقول المحيطة بنا تغذي منطقة بأكملها، ثم جاء رجال الميليشيات وأحرقوا كل شيء”.
وأضاف أن المنطقة تعرّضت لسبع هجمات بين مارس ويونيو 2024، ما أدى إلى تدمير المزارع التي كانت تزرع محاصيل أساسية مثل الذرة والدخن، والتي كانت تؤمن الغذاء لسكان المنطقة وتغذي مدينة الفاشر القريبة، التي تبعد نحو 20 ميلًا.
ويرى خبراء قانونيون أن التكتيكات التي استخدمتها مليشيا الدعم السريع تمثل جريمة حرب عبر استخدام المجاعة كسلاح ضد المدنيين.
وقال توم دانينباوم، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة ستانفورد والمتخصّص في دراسة استخدام المجاعة أداةً للحرب، إن الأدلة تشير بوضوح إلى تدمير المقومات الأساسية لبقاء السكان.
وأضاف:كان الناس بالفعل على حافة المجاعة، ثم جرى تدمير الوسائل التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة،وأوضح دانينباوم، الذي شارك في إعداد تحليل قانوني مع أستاذة القانون بجامعة ييل أونا هاثاواي، أن البيانات التي جمعها مختبر الأبحاث الإنسانية تمثل اختراقاً مهماً في توثيق جرائم التجويع عبر تقنيات الاستشعار عن بُعد، ويمكن استخدامها لاحقًا في التحقيقات القضائية الدولية.
تزايد العنف
من جانبها، قالت هاثاواي إن التقرير يقدم مستوى غير مسبوق من التحليل الزمني الدقيق، مضيفة:إنه دليل على القسوة الاستثنائية والأهوال الحقيقية التي يواجهها الناس، إذ يوثق بدقة ما تعرض للهجوم ويتجاوز المعرفة العامة بالقتال”.
ويأتي هذا التحقيق في سياق تاريخ طويل من العنف في إقليم دارفور، حيث عانت المجتمعات الزراعية منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من هجمات الميليشيات المعروفة باسم “الجنجويد”، والتي أسفرت عن مقتل نحو 300 ألف شخص في هجمات سابقة.
ورغم استمرار التهديدات والهجمات المتكررة، تمكنت المجتمعات المحلية لسنوات من مواصلة الزراعة والحصاد، قبل أن تتعرّض في الحرب الحالية لتدمير واسع النطاق أدى إلى انهيار النظام الغذائي المحلي.
تحقيقات دولية
وفي سياق متصل، تواصل المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها في الجرائم المرتكبة في دارفور، حيث دعت إلى تقديم أدلة حول أعمال العنف الأخيرة، بما في ذلك الهجوم على مدينة الجنينة في غرب دارفور في يونيو 2023، والذي فرضت خلاله قوات الدعم السريع حصاراً استمر أشهراً وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف من مجتمع المساليت.
كما وثق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة انتهاكات واسعة خلال الحرب، مشيراً في تقرير حديث إلى أن الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على الفاشر يحمل “سمات الإبادة الجماعية”، خاصة مع استهداف مجتمعات غير عربية مثل الزغاوة والفور.
وشملت التحقيقات أيضًا الهجوم الواسع الذي شنته مليشيا الدعم السريع في 11 أبريل 2025 على مخيم زمزم للنازحين جنوب الفاشر، والذي كان يضم نحو “700” ألف نازح، قبل أن تسيطر عليه المليشيا بالكامل.
ويؤكد الخبراء أن تدمير القرى والمعدات الزراعية والبنية التحتية الزراعية يشكل دليلًا قويًا على وجود سياسة متعمدة لاستخدام المجاعة كسلاح حرب، في منطقة تعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
وبحسب التحليلات القانونية المصاحبة للتقرير، فإن هذه الأدلة التقنية ــ المدعومة بصور الأقمار الاصطناعية وبيانات الاستشعار ــ يمكن أن تشكل أساسًا مهمًا للملاحقات القضائية الدولية ضد المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top