البرنامج قدّم حلقةً شيقة على شاشة النيل الأزرق “أعزَّ أصحاب”..الصداقة وسرديات الحرب

البرنامج قدّم حلقةً شيقة على شاشة النيل الأزرق

“أعزَّ أصحاب”..الصداقة وسرديات الحرب

شيخ الامين يروي قصة المسيد الذي أطعم الناس من جوع

واجهت وأسرتي الموت مرتين وثبت في أم درمان

(..) هذه قصة زيارة وفد مليشيا الدعم السريع

علي مهدي: ما حدث في المسيد تجربة سودانية تستحق الدراسة

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

في مؤانسة بدت أقرب إلى جلسة سودانية حميمة، بثت قناة النيل الأزرق، حلقة مميزة من برنامج (أعزّ أصحاب) الذي تقدمه الأستاذة بسمات عثمان، استضاف البرنامج شيخ الأمين عمر الأمين، المنتمي للطريقة القادرية المكاشفية بالسودان، صاحب المسيد الشهير في (بيت المال) بأم درمان، وضمت الحلقة إلى جانبه، كلاًّ من الفنان والمسرحي وسفير النوايا الحسنة علي مهدي نوري، والفنان الشاب مأمون سوار الذهب الذي شنّف الحلقة بصوته المترع بالأناشيد الوطنية والمدائح النبوية، حيث تميّزت الحلقة بحوار امتد بين التصوف والفنون والإبداع والثقافة والدبلوماسية الشعبية، ليقدم نموذجاً لعلاقة صداقة جمعت بين الروح والفكر والجمال، حيث بدت الحلقة أقرب إلى شهادة إنسانية عن قدرة السودانيين على تحويل المحن إلى قيم تضامن، وعلى جعل الثقافة والفن جسراً للتسامح والأمل.
تصوف بروح العصر
ويُعدُّ مسيد شيخ الأمين بمنطقة ( بيت المال) بأم درمان، واحداً من أكثر المساجد والزوايا الصوفية حضوراً في النقاش العام في السودان خلال السنوات الأخيرة، فشيخ الأمين الذي ارتبط اسمه بالطريقة القادرية المكاشفية، حاول أن يجدد في مفاهيم التصوف بانتهاج طريقة حاولت مخاطبة الشباب بلغة العصر، وهو ما جعل تجربته محط اهتمام واسع، وأحياناً موضع جدل، فقد اعتمد الشيخ في مسيده على اجتذاب الشباب، وفتح المجال لحضورهم ومشاركتهم في الأنشطة الدينية والاجتماعية، بما في ذلك حضور الفتيات إلى جانب الشباب في بعض الفعاليات، وقد دفع هذا الطابع المختلف نسبياً عن الصورة التقليدية للطرق الصوفية، البعض إلى إطلاق لقب ساخر عليه هو (شيخ الجكسي والببسي)، في إشارة إلى حضور مظاهر الحداثة والشباب في محيط المسيد، لكن شيخ الأمين ظل يؤكد أن رسالته الأساسية تقوم على إحياء القيم الروحية والتسامح والمحبة، وأن مخاطبة الشباب بلغتهم ليست خروجاً على التصوّف، بل امتداد لرسالته الإنسانية التي تسعى إلى جمع الناس لا تفريقهم.

المسيد في زمن الحرب
ومع اندلاع الحرب في السودان خلال شهر رمضان، ووسط إغلاق الأسواق والمتاجر وتعطّل الحياة اليومية في مدن العاصمة، وجد المسيد نفسه أمام امتحان إنساني حقيقي، فبدلاً من الاكتفاء بالإفطارات الرمضانية المعتادة، بادر شيخ الأمين إلى تطوير المشروع ليصبح شبكة من (التكايا) أو المطاعم المجانية التي تقدم الطعام للناس، وسرعان ما تحولت المبادرة إلى عمل إغاثي يومي يقدم ثلاث وجبات كاملة للفقراء والعالقين والمتضررين من الحرب في أم درمان، ولم يقتصر دور المسيد على الطعام فقط؛ إذ أنشأ صيدلية صغيرة لتقديم الدواء مجاناً، بينما تولى شباب المسيد الذين تجاوز عددهم 150 شاباً القيام بأعمال إنسانية شاقة، من بينها دفن جثث الموتى في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها أم درمان خلال الحرب، وفي قلب هذه الفوضى، لم ينس الشيخ الأطفال، فبادر إلى فتح مدرسة صغيرة داخل المسيد لمواصلة تعليمهم في ظل توقف المدارس، وكانت أسرة الشيخ، بحسب ما روى في الحلقة، تشارك في كل تفاصيل العمل الخيري اليومي.
مواجهة الموت
ويروي شيخ الأمين أنه منذ الأيام الأولى للحرب اتخذ قراراً واضحاً بالبقاء في أم درمان وعدم مغادرتها، ويقول إن معاناة الناس مع الجوع وانقطاع الأسواق والمتاجر جعلته يشعر بأن خروجه في ذلك الوقت سيكون تخلياً عن مسؤوليته الإنسانية والأخلاقية، ومع توسع تجربة التكايا، تحولت المبادرة التي انطلقت من (مسيد بيت المال) إلى سُنّة طيبة انتشرت في أحياء العاصمة ثم امتدت إلى ولايات أخرى، وخلال تلك الفترة، واجه الشيخ وابنته الدكتورة “سجى” الموت أكثر من مرة، عندما سقطت مقذوفات ( دانات) داخل المسيد في مناسبتين مختلفتين، لكنَّ العناية الإلهية حفظتهما، (فصنايع المعروف تقي مصارع السوء) كما يردد شيخ الأمين دائماً.
قصته مع المليشيا
ومن أكثر القصص إثارة في حديث شيخ الأمين، روايته عن علاقته المعقَّدة مع عناصر مليشيا الدعم السريع خلال فترة سيطرتهم على أجزاء واسعة من مدينة أم درمان، يقول الشيخ إن المليشيا كانت تشك في أمره في البداية، وتعتقد أنه ربما يعمل لصالح استخبارات الجيش، لكن المفارقة أن حملات التشويه والشائعات التي تعرَّض لها سابقاً خففت من تلك شكوك الدعم السريع نحوه، مما دفع عناصر من المليشيا إلى زيارته في المسيد، حيث قدموا له مواد غذائية وتموينية استُخدمت لاحقاً في دعم التكايا وتقديم الطعام للمحتاجين، ويعلق الشيخ على تلك التجربة قائلاً إن الله سخره طوال سنة ونصف لخدمة المحتاجين من الجوعى والمرابطين، وزاد: ” قلت للذين ينتقدونني.. دعوني أخدم الناس خلال هذه الحرب، وبعد انتهائها حاكموني في ميدان عام” ودعا شيخ الأمين إلى دعم القوات المسلحة مادياً عبر صندوق دعم الجيش، مؤكداً أن الدعم الحقيقي لا يكون بالكلام فقط، وأضاف: ” لا تكن حلو لسان وقليل إحسان”.
تجربة تستحق الدراسة
ورأى رفيق شيخ الأمين وضيف حلقة برنامج ( أعزَّ أصحاب) الفنان والمسرحي علي مهدي أن تجربة شيخ الأمين وأبنائه خلال الحرب تستحق الدراسة والتوثيق، لأنها تمثل نموذجاً نادراً للعمل المجتمعي في زمن الأزمات، وأكد مهدي أن التكايا التي انتشرت في عدد من المناطق أثبتت أن الحرب رغم قسوتها لم تكسر قيم التكافل والتراحم في المجتمع السوداني، داعياً إلى أن تكون المرحلة المقبلة قائمة على (بناء المعاني قبل المباني)، بحيث تسود قيم التسامح وتجاوز المرارات، ( ومن فشَّ غبينتو، خرب مدينتو)، وأعرب الفنان والمسرحي علي مهدي عن سعادته بالزيارات التي قام بها عدد من كبار المسؤولين للمسيد، وفي مقدمتهم رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، مؤكداً أن تلك الزيارات أنصفت الشيخ وأكدت تقدير الدولة لما قدمه من جهود إنسانية، وشدّد مهدي في الوقت نفسه على أن المرحلة الراهنة تتطلب دعم القوات المسلحة لاستكمال مسيرة الانتصار على الدعم السريع.

خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن حلقة برنامج ( اعزَّ أصحاب) على شاشة قناة النيل الأزرق، برهنت حقيقة تحوّل الصداقة إلى دبلوماسية شعبية، وكشفت الحلقة صورةً أخرى من صور السودان التي لا تظهر كثيراً في نشرات الأخبار، فبينما تتصدر الحرب والعنف المشهد، تبرز قصص مثل قصة مسيد شيخ الأمين لتؤكد أن المجتمع السوداني لا يزال يحتفظ بجوهره الأخلاقي، ذلك أن اللقاء بين شيخ صوفي، ومسرحي كبير، وفنان شاب، وإن تضمن بعض الذكريات، فإن البرنامج كان نموذجاً للدبلوماسية الشعبية التي تجمع بين الدين والثقافة والفن في خدمة المجتمع، كما أن تجربة التكايا خلال الحرب تمثل درساً عميقاً في قوة المبادرة المجتمعية، حيث استطاع مسيد صغير أن يتحول إلى مركز إغاثة إنساني واسع التأثير، وفي النهاية، بدت الحلقة وكأنها رسالة تقول إن السودان، رغم الجراح، لا يزال قادراً على إنتاج الخير والحق والجمال والتسامح… وأن الصداقة حين تلتقي مع الإيمان والفن يمكن أن تتحول إلى قوة ناعمة تعيد بناء الإنسان بترسيخ قيم المعاني قبل أسمنت المباني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top