د. عبداللطيف البوني يكتب : إدمان الانقسام

حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني

إدمان الانقسام

النخبة السودانية الحديثة التي ظهرت للوجود بعد دخول التعليم الحديث السودان على يد المستعمر في مطلع القرن العشرين… هذه النخبة تبلورت في مؤتمر الخريجين في أربعينيات القرن الماضي وقد اتسعت قاعدة المؤتمر عندما قرّر أن تشمل عضويته كل من يقدر على فك الخط فشملت كل البرجوازية السودانية الصغيرة من عمال وزراع وتجار ..
هذة النخبة أصيبت بداء الانقسام منذ ظهورها لأن الطائفية تغلغلت فيها في مرحلة مبكرة من نشأتها …فكان الانقسام الأول حول مستقبل السودان هل يكون مستقلاً أم متوحداً مع مصر …في لحظة تاريخية نادرة تراجع الانقسام وحل محله الالتحام فكان الاستقلال السلس السهل ..بعد الاستقلال كان ينبغي أن يكون هذا الانقسام قد انتهى بيد أن الانقسام العالمي يمين/يسار قد انعكس بسرعة على النخبة السودانية ومنه توثق ارتباطها بالتيارات العالمية …
بعد انتهت الحرب الباردة في 1990 وذاب المعسكر الشرقي وانتهت حدة الصراع العالمي يسار في مواجهة يمين تحور صراع النخبة السودانية الي موالين للانقاذ ومعارضين لها وكل قسم يضم اطياف متعددة ..ثم انتهت الإنقاذ بثورة ديسمبر 2019 فاتخذ صراع النخبة شكل قحاتة /كيزان ..ثم جاءت الحرب (العدوانية) السودانية في أبريل 2023… وكانت هذة فرصة يضعف فيها صراع النخبة… لان العدوان طال الجميع …وكان يمكن أن يظهر صراع فترة المهدية اولاد البلد /أولاد البحر… ولكن صراع النخبة الكيزاني القحاتي غطى عليه.. فتحول إلى موالين للجيش ومعارضين له… وإن شئت قل إلى بلابسة ودعامة .
مما يجدر ذكره أن المكون الخارجي في صراع النخبة السودانية ازداد وظل هذا المكون يتمدّد مع الاحتفاظ بشكل كيزان/قحاتة …جاءت الحرب الامراسرائيلية/إيرانية في مطلع مارس الجاري… هذه الحرب أي كانت نتيجتها …سوف تضع كل المنطقة في وضع جديد… وقد تمتد لتغيير كل الوضع السياسي العالمي ناهيك عن السودان… ومع ذلك ظل المتصارعين السودانيين في غيهم لابل طفق أي فريق في البحث فيها عن شي يمكن أن يستخدمه في صراعه الداخلي …بدلاً من النظر لما تحمله هذه الحرب من مهددات تبحث نخبة السودان عن فرص للنيل من خصمها المحلي ..
الأمر الذي يجب التوقف عنده ان مغذيات هذا الصراع ظلت في ازدياد ولم تتوقف هذة المغذيات اتناء الحربين الأولى والكبيرة التي اعقبتها … فالامداد ب (العلف) لم ينقطع عن الفريقين …مصطلح علف ظهر مؤخرا في الساحة السياسية السودانية … وفي ظني انه لا يخلو من العبقرية… فلفظة علف في حد ذاتها معبرة جدا …فاي من الفريقين لايعدم ما يقوله في الفريق الاخر لكثرة الهنات والجلائط المبذولة …حتى الهنات الفردية يمكن أن تتحول إلى تريندات لتكبير الكوم … كما أن الرياح العالمية والاقليمية في كل مرة تهب في اشرعة هذا الفريق أو ذاك …أضف ذلك القدرة على توليد الإشاعات مع الذكاء الاصطناعي مع ثورة الاتصالات كل هذا أوجد سودان افتراضي يتحكم في سودان الواقع ….فالصراع في العالم الافتراضي ميسور وغزير الإنتاج لتوفر الأدوات وكثرة المشاركين … مع الوجود المستدام للعلف للفريقين تحدث احيانا قفزات في التشوين فيه… فيطير بها الفريق المشون ثم يعقبها تشوين للفريق الاخر وهكذا يتبادل الفريقين الأفراح والليالي الملاح … .حكاية ناس افراحها زائدة وناس يتألموا كل يوم يغنيها فريق …لدرجة تجعل ان المراقب للامور يعتقد انها هناك جهة ماسكة بكل خيوط اللعبة ..أي تدير الفريقين وتريد أن يظل الصراع بين الفريقين مستعرا … ففي كل مرة تعطي هدية كبيرة لغريق فيمدد لسانه للفريق الاخر وترتفع بذلك معدلات الانقسام والتشظي …فيتحول بذلك الكل الي بيادق ونضيف تدخل المصلحة المادية المباشرة..فتكتمل عملية التعمية ..
..قد لا تروق نظرية المؤامرة للبعض ولكن لن يستطيع أحد ان ينكر المكون الخارجي الكبير في هذا الصراع .. ولا احد ينكر المال السياسي من الخارج أو من السلطة …ولا أحد يمكن أن ينكر أن هذا الخارج يستخدم هذا الصراع لمصلحته وأن العنصر المحلي هو الذي يدفع الثمن … والأهم من كل هذا أن أي مخطط أو تدبير له مصلحة في السودان يمكنه أن يراهن على ذلك الصراع فقد أصبح من الثوابت السودانية ان لم يكن قد أصبح …
خطورة هذا الأمر أن الغارقين في هذا الصراع قد ادمنوه وأصبح النيل من الخصم هو المهمة التي يسعوا بها بين الناس اي مصدر تلذذ وسعادة وليست مصلحة الوطن.. يحكموا على
الوقائع بمعايير الراحة النفسية لهم والضرر على نفسيات الخصم …لاتنسى المصلحة المادية أيضا حتى ولو لم تصبح أولوية …فانظر الي هلال/مريخ اليوم فاي متعصب لأي فريق يفرح لانتصار فريقه باستصحاب ماحل بغريمه المهزوم… بدليل إنك تجده سعيداً بهزيمة غريمة من اي فريق اخر … فهنا تكون المرجعية الوطنية قد انتفت وقد يكون هذا مبلوعا في كرة القدم لأنها اصلا أداة ترفيه وتسليه وترويح عن النفس لكن في الأمور الوطنية تصبح كارثة لأنها هنا تتعلق بحياة المواطن أي مسالة حياة او موت …
خلاصة قولنا إن هذا الانقسام النخبوي قد تطور ووصل مرحلة تجريد العملية السياسية من المصلحة الوطنية …فإذا صح ما ذهبنا اليه تكون هذه هي علة السياسة السودانية ومن هنا يجب أن يبدأ العلاج ….أما ما هو ذلك العلاج أسألوا العنبة ….اللهم عافي اهل السودان وأحفظه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top