يصادف اليوم مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب
السبت” 25″ رمضان.. غدر المليشيا
التأريخ يطلُّ مثقلاً بذاكرة النار والدم
من أجواء العبادة إلى دوي المدافع..صباح رمضاني دامٍ
ملايين الأسر خرجت بما خفَّ..وطال الغياب
أثمان إنسانية باهظة وصمود مجتمعي يصنع الأمل
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تمرّ اليوم ثلاث سنوات كاملة على اندلاع الحرب في السودان وفقاً للتقويم الهجري، حين استيقظ السودانيون في السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان على صوت الرصاص وأزيز الطائرات، في لحظة فارقة تحوّل فيها شهر العبادة والسكينة إلى مسرحٍ مفتوح لواحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ البلاد الحديث، قسوة قابلها السودانيون ما بين ذهول وارتباك، وصمود قاوم المأساة بروح التكافل والتضامن والعمل الطوعي.
مفارقة عجيبة
في صبيحة السبت الخامس والعشرين من رمضان 1444ه، لم يكن السودانيون يتوقعون أن تتحول ساعات الصيام الأولى إلى بداية مأساة وطنية طويلة، فتبدّدت أجواء رمضان التي اعتاد الناس أن يستقبلوا فيها العشر الأواخر بالطمأنينة والعبادة، لتحل محلها مشاهد الاشتباكات والدخان والهلع، ولعل المفارقة الأكثر إثارة في ذاكرة السودانيين أن التاريخ يعود اليوم إلى اللحظة نفسها، السبت الخامس والعشرون من رمضان، بعد ثلاث سنوات كاملة من اندلاع الحرب، وكأن الزمن يعيد تذكير البلاد باليوم الذي تبدلت فيه ملامح الحياة فجأة، فما كان يوماً عادياً في تقويم رمضان، أصبح تاريخاً محفوراً في الذاكرة الجمعية للسودانيين، يقترن ببداية الحرب التي ما زالت آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين الذين وجدوا انفسهم بين ليلة وضحى أمام واقع جديد فرضته عليهم أيادي الحرب القاسية.
ذهول وارتباك
في صبيحة ذلك السبت الرمضاني، استيقظت الخرطوم على أصوات المدافع الثقيلة ودوي الاشتباكات في محيط المواقع العسكرية، فيما حلّقت الطائرات في سماء المدينة التي كانت حتى ساعات قليلة مضت تعيش هدوء الصيام، حالة من الذهول سيطرت على المواطنين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب معركة مفتوحة، بينما أخذت كثير من الأسر تجمع ما خفَّ حمله من متاع، وتغادر منازلها على عجل أملاً في أن تكون مغادرة مؤقتة لبضعة أيام فقط، ريثما تهدأ الأوضاع، غير أن تلك الغيبة التي ظنها الناس قصيرة امتدت شهوراً ثم سنوات، وها هي الحرب اليوم تدخل عامها الرابع، بينما لازال آلاف السودانيين يعيشون بين النزوح واللجوء والحنين إلى بيوت تركوها خلفهم على أمل العودة.
اتساع نطاق الحرب
ومع تطور الأحداث، تحولت الحرب من محاولة تمرد فاشلة على القوات المسلحة إلى مواجهة واسعة النطاق دفعت ثمنها المواطنون الأبرياء والعزل، والمدن والقرى الآمنة المطمئنة، فقد اتسعت رقعة المعارك لتشمل أحياء سكنية ومرافق مدنية، وتحولت مؤسسات حكومية ومقار خدمية وأعيان مدنية إلى ثكنات عسكرية ومواقع للقتال، بينما امتدت نيران الحرب إلى عدد من ولايات السودان بعد فشل تمرد ميليشيا الدعم، وخاب فأل قائدها محمد حمدان دقلو ( حميدتي) في السيطرة على العاصمة الخرطوم وإذاعة بيان الاستيلاء على السلطة كما كان مخططاً، حيث ترافق الفشل في الاستيلاء على السلطة، وتحويل فوهات البنادق إلى صدور المواطنين ومنازلهم، مع عملية تدمير واسع وممنهج للبنية التحتية، واستهداف مرافق حيوية كانت تمثل شريان الحياة في البلاد.
قسوة وصمود
وخلال السنوات الثلاث الماضية، دفعت البلاد أثماناً إنسانية باهظة، تمثلت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا والجرحى، إلى جانب موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة شرَّدت ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، كما ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على المجتمع، حيث تفككت أسر، ودُمرت بيوت، وتعطلت المدارس والجامعات والخدمات الأساسية، فيما تبدلت أنماط الحياة اليومية للسودانيين الذين وجدوا أنفسهم بين تحديات النزوح واللجوء والبحث عن الأمان وسبل العيش، ورغم قسوة الظروف، برزت في المقابل صور لافتة لصمود المجتمع السوداني، تجلت في مبادرات التكافل الاجتماعي التي تصدَّرت عناوينها مشاريع المطاعم المجانية أو ما يُعرف محلياً ( بالتكايا)، هذا فضلاً عن قصص التضامن التي قدم فيها المواطنون نماذج مضيئة للتعاون والإغاثة، سواءً داخل السودان أو في دول اللجوء، فقد تحوَّلت مبادرات شبابية ومجتمعية عديدة إلى شبكات دعم إنساني تسعى لتخفيف معاناة المتضررين، في مشهد يعكس قوة الروابط الاجتماعية التي طالما ميزت المجتمع السوداني.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فبين ذكرى اندلاع الحرب، واستمرار واقعها المرير، يبقى السبت الخامس والعشرون من رمضان علامةً فارقة في تاريخ السودان المعاصر، فهو يومٌ يختزل بداية مأساة وطنية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يذكّر بقدرة المجتمع على الصمود والتماسك رغم المحن،
ومع دخول الحرب عامها الرابع، يظل الأمل معقوداً على أن تستعيد البلاد أمنها واستقرارها، وأن يتحوّل هذا التاريخ يوماً ما من ذكرى للألم إلى محطة للأمل على طريق استعادة السودان لعافيته، والحفاظ على سيادته، وحدته.






