د.عبد اللطيف البوني يكتب: ابحثوا عن الطرف الثالث

حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني

ابحثوا عن الطرف الثالث

والثورة الإيرانية في بداية عنفوانها في 1979… قام الطلاب الجامعيين الإيرانيين باحتجاز “54” دبلوماسياً أمريكياً في مبنى السفارة الأمريكية … مطالبين الولايات المتحدة … بتسليمهم شاه إيران الذي لجأ إليها لمحاكمته …وفشلت كل محاولات الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في إنقاذهم بما فيها إعلان استعداده لإبعاد الشاه …وتكبّد في ذلك خسارة طائرات وأرواح … واستمر حجزهم لأكثر من عام ..إلى أن تدخّلت الجزائر والتي كان لديها خاطر عند الخميني فأطلق سراحهم …وقد تسبّبت هذة الأزمة في فشل كارتر في تجديد انتخابه وفوز غريمه ريجان… كان ذلك انتخابات يناير 1981م …
ثبت الآن أن إيران كانت على استعداد لفك أسر هؤلاء الرهائن منذ أول أيام الحبس ..ولكن باغراءات من الحزب الجمهوري استمر أسرهم لمدة “444” يوماً وكان هدف الحزب الجمهوري من ذلك هو إسقاط كارتر مرشح الحزب الديمقراطي وهذا ما حدث… ومن جانب إيران وجدت صفقة رابحة في حجزهم فتجاوزت حكاية تسليم الشاه .
إن ما قام به الحزب الجمهوري وبكل المقاييس يعتبر خيانة وطنية لأنه قدم المصلحة الحزبية وإن شئت قل ريغان قدم المصلحة الخاصة على المصلحة الوطنية …لقد شوّهت تلك الحادثة صورة أمريكا كقوة عظمى كما أنها عذّبت مواطنين امريكيين من أجل مصلحة دون الوطنية حزبية كانت أم شخصية.
لذلك لن يكون من المستغرب أن تقوم إسرائيل بضرب مصالح حيوية داخل عمق بعض الدول الخليجية العربية في الحرب الامرواسرائيلة/إيرانية الجارية الآن… لكي تجبر هذة الدول للدخول في المواجهة مع إيران … وقد فطنت لذلك دول الخليج ولم تعتبر ما قامت به إسرائيل نيران صديقة .
من الحادثتين أعلاه يتضح لنا أن الصراعات السياسية ليست بالضرورة أن تكون بين الطرفين المتنازعين الظاهرين في الواجهة فهناك دوماً… طرف خفي وإن شئت قل طرف ثالث .. لذلك للإحاطة بأي نزاع لابد من البحث عن هذا الطرف الخفي أو الطرف الثالث …
في حرب السودانية الكارثية المندلعة منذ 15 أبريل 2026 إلى يوم الناس هذا حتماً هناك طرف ثالث… لا بل أطراف خارجية وداخلية …لها مصالح في استمرار الحرب …إنها لعبة الأمم وإن شئت قل طبيعة اللعبة السياسية لا بل طبيعة الأشياء ….وبمناسبة طبيعة الأشياء هذة لابد لنا من تحية خاصة لاستاذنا الكبير محمد عبد الله الريح… الذي كان يقدم برنامجاً تلفزيونيا ناجحاً بأسم (طبيعة الأشياء) وهو برنامج علمي بحت لكن روح استاذنا المرحة الخفيفة جعلت منه برنامجاً جماهيرياً يحقّق المتعة والفائدة …
نستغل هذه التخريمة لنقول إنه مثلما أن الطبيعة من أحياء وكيمياء وفيزياء تحكمها قوانين صارمة فإن العلوم الاجتماعية كالاقتصاد والاجتماع والسياسة تحكمها هي الأخرى قوانين.. لذلك قلنا علم اقتصاد وعلم سياسة فالظاهرة الاجتماعية عندما تتكرر وتتواتر تصبح لها قوانين وأشراط تحكمها … فظاهرة الطرف الخفي أو الثالث يمكن وصفها بأنها طبيعية ولابد من وجودها في أي نزاع …لذلك بدلا من الاستنكار والحوقلة والحكم عليها أخلاقياً ..يستحسن بل يجب العكوف عليها ودراستها لفهمها ثم التعامل معها أي تطويعها للفائدة منها … فالنجاج يكمن في تحويل المهدّد الي فرصة … ففي أي نزاع أو صراع سياسي ، مدنياً كان أو مسلحاً أي حرب أو ما بينهما… ابحثوا عن الطرف الثالث وحيدوه وذلك بإزالة مخاوفه أو اغرائه بما يلبّى غرائزه ومن التحييد يمكن تحويله لخدمتك …
ففي حربنا الحالية يجب ألا نكتفي بالعدو المباشر بل نبحث عن الأطراف الثالثة… داخلية كانت أم خارجية ونتعامل معها بما يناسبها ليس بالعنتريات … فالعنتريات مكانها الميدان ..فالطرف الثالث إذا دخل الميدان يعني أنه خرج من تلك الخانة ليكون أحد الطرفين المتواجهين …بعد تحديد الطرف الثالث أو الأطراف الثوالث يمكن التعامل معهم ..فهناك من يحتاج إلى تطمين وإزالة مخاوف …وهناك من يحتاج إلى إغراء …وهنا من يستلزم العين الحمراء ..وهناك من يحتاج إلى تنازل …وهنا تدخل السياسة فمن حسن السياسة أن تقدم لكل طرف ما يناسبه دون أن تمس المصلحة الوطنية ..أي تقدم دون أن تفقد …فتضحّي بالتكتيكي من أجل الاستراتيجي …تبذل القليل من أجل المكسب الكبير …هنا في الطبيعة نتذكر عملية التطعيم اي ما نسميه بالقراحة فاللنجاة من الوباء نقوم بأخذ لقاح منه …فيا جماعة الخير اي حاجة في الدنيا بقت علم له مخبر ومظهر أي لها منهج فاتركوا العشوائية …خاصة الحكومات لأن على عاتقها تقع سلامة الوطن والمواطن ….
رحم الله حبوبة لنا كانت أمية لكنها عندما تسمع شخصاً يقول كلاماً مرتباً من خلال الإذاعة أو التلفزيون …تتجاوب معه قائلة …قراااية …علم …دون أن تفهم كلامه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top