حاطب ليل
د : عبداللطيف البوني
في السودان “انجرحنا واتقرحنا”
بعد الارتفاع الجنوني لأسعار النفط جرّاء حرب أكتوبر 1973 قامت الدنيا ولم تقعد.. لان البترول يومها كان مصدر الطاقة الوحيد بعد أن ازاح الفحم الحجري …طبعاً الأكثر تأثراً بارتفاع اسعار النفط هي الدول الصناعية الكبري لأن النفط هو عصب الحياة فيها .. اما دول العالم الثالث أي الدولة المتخلّفة… اسم الدلع الدول النامية، هي الأقل تأثراً لأنه لديها بدائل تقليدية … لديها الحطب والقصب وكل مخلفات المحاصيل … لديها الحمير والحصين والجمال … ففي أوروبا حتى التدفئة من البرد وحلب الأبقار يحتاج للغاز وكافة مشتقّات النفط ..
في جامعة الخرطوم انعقدت ندوة كبرى عام 1975م تقريباً عن أثر ارتفاع أسعار البترول على السودان تحدث فيها لفيف من العلماء كل في مجاله …وكان هناك شبه إجماع على التحدي الكبير الذي يواجه السودان جراء ذلك الأمر… وطرحت اراء نيرة للتخفيف من أثره … فالموضوع اقتصادي والاقتصاد هو علم البدائل …بيد أن البروفيسور محجوب عبيد طه فاجا الحضور يومها عندما ابتدر حديثه بالقول … انه أسعد الناس بارتفاع أسعار النفط … ثم برّر قوله بأن النفط مصدر طاقة ناضب كما أنه ملوث للبيئة …فالأفضل للبشرية أن تبحث عن مصادر الطاقة المستدامة والنظيفة …الطاقة الشمسية والطاقة من الرياح…
ارتفاع أسعار النفط الحالية سوف يجعل البشرية تتجه الي تلك البدائل … وهذا سيبدأ بزيادة الإنفاق على الأبحاث فيها …وقد صدقت تنبؤات البروف محجوب ..فاليوم العلينا دا …تشكّل مصادر الطاقة النظيفة نسبة مقدّرة من مصادر الطاقة العالمية… الا أن البترول مازال سيد الموقف ولكن وللأسف تأثيره اليوم على الدول النامية كبيراً لأنها لم تلحق بمصادر الطاقة البديلة بعد ..
طيب دعونا نقفز إلى تجربة قريبة جداً حدثت لنا في الجزيرة … بعد سقوط مدني في يد مليشيا الدعم السريع في 18 ديسمبر 2023 أوقف المواطنون كل عرباتهم تقريباً خوفا من “الشفشفة” … فلاتجد في الطريق إلا العربات الهكر من النوع الذي زهد فيه الدعامة أو العربات التي يمتطيها الدعامة… فرجعنا للدواب كما كنا في ستينات القرن الماضي … فارتفعت أسعار الحمير بصورة جنونية إذ تجاوز الحمار العالي المليار .. أما الحمار (المكادي) لايقل عن نصف مليار بعد أن كان بمائة الف على أكثر تقدير… وكذلك أسعار الخيول وصلت أرقاماً قياسية… ولكن الجديد هذة المرة هو استخدام (الكوارو) مفردها كارو …وهناك نوعان منها ..الكوارو التي تجرها الخيول وهذة حمولتها أكبر في البشر والبضائع المحاصيل… أما الكوارو الصغيرة (التريلات) فتلك التي تجرها الحمير ..أضرب لكم مثلا بنفسي في الستينات طبعاً عندنا حمار (فاخر) يمتطيه الوالد عليه رحمة الله إلى الحواشة أو السوق… وعندما أذهب معه أركب خلفه(رديف)…
بعد احتلال الدعامة للجزيرة في 2023 أصبحت عندنا ترلة يجرها حمار يقضي بها إبني حوائج أبقاره وحوائج البيت… وعندما أذهب إلى الحواشة أركب معه وتصل حمولتها إلى خمسة أشخاص ..وكذلك نستغلها للمناسبات في أطراف القرية والقرى المجاورة …وظللنا على هذه الحال حوالي عشرين شهراً… شخصياً أجزم بأنني لم أركب سيارة لأكثر من عام…من الظواهر الإيجابية زاد استخدام الطاقة الشمسية في القرية بصورة كبيرة . ..إلى إن جاء الجيش وحرّر الجزيرة… وكان الدعامة قد شفشفوا عرباتنا المقرشة والأبقار والكارو ولم يتركوا لنا إلا حمار الترلة …كما شفشفوا أدوات الطاقة الشمسية بما فيها تلك المستخدمة في الآبار والطواحين والمساجد …
الشاهد في هذه القصة أن استهلاكنا للبترول قد انخفض بنسبة أكثر من تسعين في المية …طبعاً تركنا المجاملات البعيدة وركلنا كل الرفاهيات … وبالمناسبة تغيّرت الكثير من العادات في الجزيرة في أيام العسرة تلك فمثلاً أصبح العزاء ينتهي بالدفن … وهذا شي إيجابي وهذة قصة أخرى …من الاخر كده أزعم بأن البنزين والجازولين المستهلك في الاجتماعيات أكبر من ذلك المستهلك في الإنتاج ..فتأمل .. المهم في الأمر إن الحياة لم تتوقف وعلى حسب معلوماتي الخاصة إن عدد المواليد قد ازداد رغم كثافة الموت …
الذي نود أن نقوله إن الحياة في السودان سوف تمضي مهما ارتفعت اسعار النفط …بالتجربة تمكنا من التغلب عليها بالرجوع للحياة التقليدية أي للحمير والحطب والفحم النباتي أو الصعود إلى أعلى بالطاقة الشمسية … والخرطوم حيث الاستخدام الأكبر للمشتقات البترولية كانت غير موجودة ..إذن يا جماعة الخير إن هذه الحرب قد أكسبتنا مناعة كبيرة على مجابهة التحديات التي أفرزتها وسوف تفرزها حرب الخليج الجارية الآن… وكذلك حربنا نحن الجارية الآن …فنحن قد انجرحنا واتقرحنا …أما بقية العالم المرتاح… البعاد مننا والقراب مننا فالنخليهم ياكلوا نارهم …ولكن يبقى الأهم إن الرجعة للخلف الإجبارية التي حدثت لنا …الجميل فيها انها قد زحزحتنا من المكانة التي كنا متكلسين فيها ..بعد ذلك أما أن نواصل التراجع إلى أن نسقط في الحفرة فنموت وتذهب ريحنا … أو نمضي الي الأمام وبذات سرعة التراجع أو أكثر …لاعب الكرة عندما يريد أن يصوبها الي مكان بعيد يرجع إلى الخلف خطوات ثم يركلها …هذا الرجعة إجبارية الا فلن يستطع الركل… إذن ياجماعة الخير …الرجعة دي كان لابد منها ..والحمد لله فُرضت علينا ..يلا لقدام.






