حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
انتصار يجلب حزناً
منذ طفولتي كنت من محبي فريق الهلال ..لا أدري لماذا ولكن كما يقولون (الحب قِسم) … وقد كان حب الهلال مدخلاً لقراءة الجرائد… وكسب أصدقاء … والسياحة في عوالم الرياضة المدهشة .. ومع تقدّم العمر كبر حب الهلال معنا .. عندما جئت إلى الجامعة في منتصف سبعينات القرن الماضي ..كشاب ريفي لم يعش في المدينة من قبل …حتى المرحلة الثانوية حظنا فرضها علينا في قرية عكس معظم زملائنا …..فبمجرّد وضع الشنطة في :البركس” … وقبل التعرّف على قاعات المحاضرات .. طفقت أبحث عن ثلاثة أشياء ..استاد الهلال والمسرح القومي وإبراهيم عوض …فترة الجامعة كانت فترة التعصّب للهلال ..ثم كانت سنوات الهجرة التي قلّلت التعصّب ولم تقلل الحب ..ثم جاءت فترة الكتابة الصحفية حيث كان الانحياز المعلن للهلال… والتغنّي بأمجاده وهو يجوب أفريقيا حاملا اسم السودان … وجالباً لأندية عالمية وأفريقية عبر مطار الخرطوم …كنا لا نفكر في كاسات محمولة جواً وتلك الثقافة التي أقعدت بالكرة … وهذة قصة أخرى …عرض على ذات مرة الانضمام لمجلس إدارة فريق الهلال من أحد الأطراف المتنافسة على قيادة الهلال فرفضت رفضاً مغلّظاً.
… ثم كبرنا وكبرت احزانا فتضاءل حب الكرة .. ثم تدريجياً انتهت المتابعة …ثم كان الإهمال والخروج من عوالم الرياضة المحلية الإقليمية والعالمية …اللهم إلا من بعض الصداقات القديمة … يعني ما تقول بتاورني مرة مرة …أو كما قال عمرو بن أبي ربيعة ..
ذو الشوق القديم …وإن تعزى مشوقاً حين يلقى العاشقين …
مناسبة هذة الرمية هي إنني سمعت قبل يومين إن الهلال قد تعادل مع فريق نهضة البركان المغربي 1/1 في مباراة الذهاب في المغرب …وأن الفريق المغربي هو الذي تعادل وأن التحكيم ظلم الهلال …ليس لدي معرفة بالفريق المغربي ولكنني أعلم جيداً قوة كرة شمال أفريقيا عامة والمغرب خاصة …فسالت أين تكون مباراة الإياب فقيل لي في رواندا ..رواندا !!؟؟.. فتمزّق قلبي من الحزن وهاجت بي الذكرى إذ تذكّرت العرضة شمال و المقبرة (استاد الهلال)… وناس العرضة ومنزل ناس كمال آفرو وصديقنا الراحل الدكتور الدبلوماسي علي قاقرين… الذي الذي دفن بعيداً عن ثرى أم درمان … تذكّرت المنطقة الصناعية التي تجاور الاستاد حيث سمك أبو دقن عندما كنت منتسباً لكلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان الإسلامية المجاورة للاستاد …لقد قرأتها بالتزامن مع جامعة الخرطوم …ويبدو أن حبي لام درمان حيث الثالوث الذي ذكرته أعلاه هو الذي جذبني إليها … تذكرت أيام كنا ناتي من “البركس” لحضور تمارين الهلال خاصة أيام انضمام اللاعب الاسطورة محمد حسين كسلا …أين كل هذا الزخم من رواندا …حاجة تقطع القلب …وأنا غارق في لج هذه الذكرى هجمت على فجأة صورة صديقي وأخي الاصغر الهادي على محمد عثمان المتيّم بحب الهلال..الذي رحل في صباح يوم الجمعة السابع عشر من رمضان الحالي… إذ توضأ لصلاة الصبح وهو يهم بالذهاب للمسجد… فأخذ صاحب الأمانة أمانته… فترك رحيله المفاجي في القلب لوعة.. وفي النفس حسرة …وفي العين دمعة … لأصدقائه ومحبيه الكثر …
الهادي كان من مرجعياتي الكروية وبعد أن غادرني حب الكرة كنت عندما التقي الهادي لا أمل الحديث معه فيها … فهو موسوعة رياضية …الهادي رجل حباه الله بموهبة الحكي مع المعلومات الغزيرة في بعض ضروب الحياة… اذا حدثك عن الزراعة يغمرك بأدق المعلومات ..إذا تحدث في السياسة تعجبك نظرته الثاقبة ..أما نوادر ظرفاء وظريفات القرية فيستغرقك الضحك ..خاصة نوادر عمنا الخضر ود بليلة رحمه الله رحمة واسعة ..الهادي رجل بلا مزاعم فهو من عامة الناس لا يدرك تفرّده إلا من عاشره عُشرة مباشرة ..مع موهبة الحكي فهو لا يتصدّر المجالس ..مع تقواه وورعه فهو لا يؤم الناس … ومع معرفته بشئون الزراعة لم يفكر في أن يتقدّم المزارعين …كان لا يغيب عن مناسبات القرية الخاصة والعامة دون أن يتقدّم الصفوف …كان محبوباً لدي كافة أهل القرية ..لذلك فجعت كل القرية برحيله إذ بكته كما لم تبك أحداً من قبل …في رحيله ظهر الهادي الزعيم الذي كان يتوسّد قلوب الناس …اللهم أغفر له وأرحمه وأجعل قبره روضة من رياض الجنة وأجعل البركة في عقبه وألزمنا وأهله الصبر على فراقه …برحيله فقدت القرية ومشروع الجزيرة والهلال والسودان محباً نادراً.






