حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
أين الكرمك من دولة العطاوة ؟
مافي حرب كويسة في الدنيا دي ..فاي حرب تعني الخراب والهلاك والدمار وكل الذي منه…ولكن بالمقابل الحرب حقيقة من حقائق الوجود ..فهي قديمة قِدم الإنسان …وستظل موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..التفاوت بين البشر حقيقة أبدية ..فطالما أن هناك تفاوت لابد أن يكون هناك تنافس وهذا التنافس من أنجع العوامل المفضية للحرب …فإذا تساوى كل البشر وأصبحوا كأسنان المشط فسوف تنتهي المنافسة وتنتهي السياسة وبالتالي تنتهي الحروب ..وطبعاً هذا شي مستحيل أن يحدث فالمدينة الفاضلة (اليوتوبيا) لا وجود لها في الحياة الدنيا …أقبلوا هذه الرمية ودعونا ندلف لحرب السودان والتي تصفها قناة الجزيرة بأنها منسية …ولا أدري كيف تصفها منسية وهي تلهج بها صباحاً ومساء …اللهم إلا إذا كانت القناة نفسها منسية . … ومع ذلك الوضع الطبيعي الآن أن تكون هذه الحرب السودانية منسية مع الحرب الترامبية الدائرة الآن في الشرق الأوسط ولكن يبدو أن هناك أحباباً للسودان ما فتئوا يذكّرون العالم بها …مش نحن بنقول (أحبك موت.. أو أحبك وأموت فيك ) فالربط بين الحب والموت مظهر ثقافي سوداناوي …
أقبلوا الرمية الفاتت دي برضو ..
الربط بين الحربين حربنا والحرب الترامبية لايحتاج إلى إعمال فكر أو حتى درس عصر ولكن المهم الآن تتبّع مجريات الحربين واستخراج الرابط بين هذه المجريات والأهم استشراف تأثير الحرب الكبيرة على الصغيرة (اللتنا) فالطريقة والنتيجة التي تنتهي بها الأولى سيكون تأثيرها مباشراً على الثانية لاسيما وأن هناك تكتّلات وتحالفات دولية وإقليمية سوف تنبثق من هذه الحرب وهي الآن في طور التشكّل والسودان سيجد نفسه في محور من المحاور طوعاً أو كرهاً.
الآن الوضع في حالة سيولة وكل التصلّبات التي تظهر في الإعلام لا تعدو أن تكون تكهّنات أو تحليلات رغائبية فهذة الحرب مازالت كرة متدحرجة لم تصل محطتها النهائية فالتغييرات الدرامية كثيرة الحدوث فيها.
….أها خلونا نرجع (للتنا) … ارتفاع عدد المسيرات الواقعة على المدن ثم احتلال الكرمك… هذه كلها بقية التجهيزات التي كانت جارية قبل الحرب الترامبية فدخول مليشيا الدعم السريع مع مليشيا الحركة الشعبية الكرمك كان مخططاً له قبل مارس الجاري… ولكن هذا لا يمنع من أن يصبح في يوم قادم جزء من الحرب الترامبية …
خلونا نرجع (لوراء شوية) لشهر فبراير الماضي عندما جاء حميدتي إلى يوغندا مرتديا اللبسة النمرية ومعلناً أنه قد قفل باب الانتماء العروبي الإسلامي وقد فتح باب أفريقيا … وتم تعميده في فكرة البان آفريكانزم بواسطة عرابها موسفيني …وقد قلنا ساعتها إن حميدتي قد وصل محطته الأخيرة …ولعل هذا ما حدث الآن فأين دولة العطاوة من احتلال الكرمك ؟ الدعم السريع سيبقى اسماً طالما أنه يملك المال وذوي القابلية العالية للموت … وأسرة دقلو ستبقى رسماً طالما أن هذه الحرب حتى الآن تدار بموارد سودانية …الذهب والآن يمكن أن يضاف اليه بترول هجليج ولكن حتما إن الأهداف سوف تتغيّر …فدولة العطاوة والاتجاه الي عرب الشتات في بقية غرب أفريقيا سوف يحل محله برنامج الحركة الشعبية التي كان يقودها جون قرنق … برنامج الحركة المعلن هو إعادة الاعتبار للهامش وإنهاء سيطرة المركز …أما البرنامج غير المعلن فهو تمزيق السودان الحالي بإنشاء دويلات (حدوة الحصان) وإن شئت قل هلال السافنا الغنية …دارفور جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق …تطوّرات الأحداث قدّمت دارفور بعد أن كانت متأخرة في الترتيب ..الآن إذا استمر احتلال الكرمك وأعيد احتلال الدلنج وكادوقلي سوف تتحرّك كل الحدوة مع بعض.
جون قرنق الذي أصبح نائباً أول لرئيس الجمهورية واستقبل في الخرطوم استقبالاً اسطورياً وركب الطائرة الرئاسية وزار حقول البترول في فلج اتضح له أنه يمكن استبعاد برنامج تمزيق السودان وأن برنامج الحركة الشعبية المعلن يمكن السير به إلى الأمام وأن السودان الموحد يمكن أن يمنحه هو شخصياً فرصة أن يكون زعيماً أفريقياً عظيماً على شاكلة كوامي نكروما وجوليوس نايريري وموديبوكيتا وسوف يحي تراث البان افريكانزم …عندما رأى قرنق كل هذا راح فيها ..
نرجع لموضوعنا وإن لم نخرج منه فاحتلال الكرمك جاء لتنفيذ برنامج وُضع قبل حرب الخليج الدائرة الآن ولكن الخطوة القادمة سوف تكون مرتبطة بها ..أما دولة السودان مازالت في يدها الكثير من الأوراق ..ليس هذا فحسب بل الحرب الترامبية يمكن أن توفّر لها المزيد من الأوراق ولكن مشكلة دولة السودان …في حكومتها المتسيّبة والتي ترفض إنهاء السيولة السياسية التي تعيش فيها …نواصل إن شاء الله..






