وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح لـ«الكرامة»:
أكثر من “12” مليون سوداني شردتهم الحرب
«…..» هذا ما قدمناه لمجلس إدارة منظمة العمل الدولية
استعادة الحضور الدولي أصبحت ضرورة استراتيجية
نقلنا صورة دقيقة حول تأثيرات الحرب على سوق العمل
هذه أبرز مشاريع الوزارة خلال الفترة المقبلة «…..»
ناقشنا أوضاع السودانيين العاملين بمناطق التعدين في موريتانيا
هذا ما قاله وزير العمل المصري بشأن ملف أوضاع السودانيين
تفهم واسع للشركاء الدوليين لطبيعة التحديات بالسودان
الانتقادات لحكومة الأمل مؤشر صحي
نعمل على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للأسر العائدة
حوار: محمد جمال قندول
بدأ البعض يطرق على ضرورة وضع برامج ناجعة لمواجهة الآثار الاجتماعية للحرب بالبلاد والتي تتعدد في مشاربها.
ولا شك بأنّ السودانيون يواجهون تعقيدات اجتماعية بالغة السوء كانت نتيجة حتمية جراء أزمة الحرب، غير أنّ وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح أكد أنهم يعملون على تنفيذ حزمة من التدخلات الاجتماعية التي تستهدف تعزيز التماسك الأُسري وتقليل آثار الحرب على المجتمع.
“الكرامة” استنطقت الوزير معتصم في جملة من المحاور المهمة وطافت معه على نتائج زيارته إلى جنيف، وأبرز برامج الوزارة، وخرجت بالمحصلة التالية:
السيد الوزير، حدثنا عن مشاركتك في اجتماعات منظمة العمل الدولية ؟
شارك السودان في أعمال الدورة (٣٥٦) لمجلس إدارة العمل الدولية (ILO) بجنيف بصفته عضوا في مجلس إدارة المنظمة، وهي منصة دولية مهمة تُناقش من خلالها السياسات المرتبطة بسوق العمل والحماية الاجتماعية والتدريب المهني وتعزيز معايير العمل الدولية.
وقد جاءت مشاركة السودان هذا العام في سياق وطني استثنائي فرضته الحرب وآثارها المباشرة على سوق العمل وسبل كسب العيش وتعطل قطاعات الإنتاج، الأمر الذي جعل من هذه المشاركة فرصة مهمة لعرض أولويات السودان في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز الشراكات الدولية الداعمة لهذه الجهود. وخلال هذه الدورة قدم السودان ثلاث بيانات رئيسية.
كما عقدنا خلال المشاركة عددا من اللقاءات الثنائية مع وزراء العمل والشركاء الدوليين وقيادات المنظمة، ركزت على توسيع مجالات التعاون الفني مع السودان في مجالات التدريب المهني وتنمية المهارات والحماية الاجتماعية وتشغيل الشباب، بما يدعم جهود إعادة البناء والاستقرار المجتمعي خلال المرحلة المقبلة.
ما هي المكاسب التي تحقّقت من هذه المشاركة؟
حققت مشاركة السودان في اجتماعات مجلس إدارة منظمة العمل الدولية عددا من المكاسب المهمة على المستويين السياسي والفني. فعلى المستوى السياسي، أسهمت البيانات الثلاثة التي قدمها السودان في نقل صورة دقيقة للمجتمع الدولي حول تأثيرات الحرب على سوق العمل الوطني، وأبرزت أولويات السودان في مجالات الحماية الاجتماعية والتشغيل وتنمية المهارات.
أما على المستوى الفني، فقد تم الاتفاق مع المدير العام للمنظمة على إرسال فريق فني إلى السودان خلال الفترة المقبلة لتحديد أولويات التدخل الفني.
كما شهدت المشاركة عقد عدد من اللقاءات الثنائية المهمة مع الدول الشقيقة والصديقة.
جدل كثيف أحاط بالمستثمرين السودانيين في موريتانيا عقب الإجراءات الأخيرة؟
تم لقاء مع وزيرة الوظيفة العمومية والعمل في موريتانيا، وناقشنا أوضاع المواطنين السودانيين العاملين في مناطق التعدين بالشمال الموريتاني في ظل الإجراءات التنظيمية المرتبطة بطبيعة المناطق الحدودية.
أكدت الوزيرة أن هذه الإجراءات شملت جميع الجنسيات ولم تستهدف السودانيين تحديدا، كما أوضحت أن السودانيين يتمتعون بوضع مميز في موريتانيا ويُسمح لهم بالعمل في مختلف الأنشطة الاقتصادية دون اشتراط تصاريح عمل في أغلب الحالات.
وطلبنا خلال اللقاء منح المتأثرين بهذه الإجراءات مهلة مناسبة لتوفيق أوضاعهم وترتيب ممتلكاتهم، وتم الاتفاق على إنشاء قناة اتصال مباشرة بين الوزارتين لتنظيم أوضاع العمالة السودانية وتعزيز فرص التشغيل والتعاون في مجالات التدريب والحماية الاجتماعية بما يخدم مصالح مواطنينا.
هنالك انتقادات عن كثافة المشاركات الحكومية الخارجية وبالمقابل المردود ضعيف جداً ما تعليقك؟
أعتقد أن هذا التقييم يحتاج إلى النظر إلى طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان. ففي ظل حرب أثرت بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني وسوق العمل وأدت إلى تشريد أكثر من 12 مليون مواطن، فإن استعادة الحضور الدولي للسودان أصبحت ضرورة استراتيجية وليست خيارا سياسيا.
المشاركة في مثل هذه الاجتماعات تتيح للسودان نقل صورة دقيقة عن احتياجاته الفعلية، والتأثير في السياسات الدولية ذات الصلة بالدول المتأثرة بالنزاعات، وحشد الدعم الفني والتمويلي لبرامج التعافي الوطني. وقد أسفرت هذه المشاركة بالفعل عن نتائج عملية، من بينها الاتفاق على إرسال بعثة فنية للمنظمة إلى السودان، وفتح مجالات تعاون جديدة في التدريب المهني والحماية الاجتماعية، إلى جانب تطوير قنوات التنسيق مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة.
ما هي انطباعات الوزراء الذين التقيتهم بالمحفل عن أزمة السودان؟
هناك تفهم واسع لدى الشركاء الدوليين لطبيعة التحديات التي يواجهها السودان في هذه المرحلة، خاصة فيما يتعلق بتأثيرات الحرب على سوق العمل ومؤسسات الدولة وسبل كسب العيش. وفي المقابل لمسنا استعدادا واضحا من عدد من الدول والمنظمات الدولية لتعزيز التعاون الفني مع السودان في مجالات التدريب المهني وتشغيل الشباب وتوسيع الحماية الاجتماعية باعتبارها أدوات أساسية لدعم الاستقرار المجتمعي وتسريع التعافي.
التقيت وزير العمل المصري، هل ناقشت معه هموم السودانيين خاصة المتعلقة بمجال العمل؟
نعم، كان ملف أوضاع السودانيين في مصر من الموضوعات الأساسية في اللقاء مع وزير العمل المصري، حيث أكد الجانب المصري أن السودانيين يتمتعون بوضع مميز في سوق العمل المصري، وأنهم معفيون من رسوم استخراج تراخيص العمل، بينما تقتصر الإجراءات على رسوم تسجيل رمزية لأغراض تنظيمية تتعلق بحصر العمالة وتصنيف تخصصاتها المهنية.
وقد أكد الوزير المصري أهمية تسجيل السودانيين العاملين في مصر بما يساعد الجهات المختصة على التعرف على تخصصاتهم وتوجيههم نحو الفرص المتاحة في مختلف القطاعات، بما يسهم في تحسين فرص التشغيل وتنظيم أوضاعهم المهنية بصورة أفضل.
كما تناول اللقاء سبل تطوير التعاون المؤسسي بين السودان ومصر في مجالات التدريب المهني وتنمية الموارد البشرية والتفتيش العمالي والصحة والسلامة المهنية.
بعد أشهر من تشكيل حكومة الأمل، هنالك انتقادات بدأت تصوب عليها، ما تعليقك؟
الانتقادات في حد ذاتها مؤشر صحي في أي تجربة حكومية، خاصة في مرحلة انتقالية تعمل في ظروف استثنائية مثل التي يمر بها السودان. لكن في المقابل، يجب النظر إلى حجم التحديات التي واجهتها الحكومة منذ تشكيلها، وإلى طبيعة الملفات المرتبطة بالحرب وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة واستعادة الخدمات الأساسية، وهي مهام كبيرة ومعقدة تتطلب وقتاً وجهداً وتنسيقا مؤسسياً واسعاً بين أجهزة الدولة المختلفة.
ورغم ذلك، بدأت بالفعل خطوات عملية في مجالات الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي ودعم سبل كسب العيش وإعادة تأهيل التدريب المهني، وهي ملفات تمثل أساس التعافي الاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة. كما شهدت الفترة الماضية تقدما ملموسا في عدد من الملفات الحيوية على مستوى الأداء الحكومي العام، من بينها العمل على زيادة الإيرادات العامة للدولة وتحسين أوضاع المرتبات والأجور تدريجيا، واستعادة النشاط الإنتاجي خاصة في القطاع الزراعي الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، إلى جانب إطلاق برامج للتحول الرقمي في عدد من المؤسسات الحكومية لتعزيز كفاءة الأداء والخدمات.
كما تم إحراز تقدّم مهم في إعادة فتح المدارس والجامعات واستئناف العملية التعليمية في عدد كبير من الولايات، وعودة الحكومة ومؤسسات الدولة الاتحادية تدريجيا إلى العاصمة الخرطوم، مع استعادة خدمات الصحة والمياه والكهرباء في معظم أحياء الخرطوم وولاية الجزيرة، وهي خطوات أساسية في مسار استعادة الحياة الطبيعية.
وشهدت الفترة الماضية كذلك عودة عدد من المصانع والشركات إلى دائرة الإنتاج، واستئناف الرحلات الجوية من وإلى مطار الخرطوم، إلى جانب تحسّن ملحوظ في الأوضاع الأمنية في إحدى عشرة ولاية، وهو ما أسهم في تشجيع العودة الطوعية للمواطنين واستئناف النشاط الاقتصادي والخدمي في العديد من المناطق.
وفي الوقت نفسه، تمضي الحكومة في تنفيذ حزمة من المشروعات الاستراتيجية التي ستظهر آثارها بصورة أوضح خلال الأشهر المقبلة في مجالات الطرق والجسور والثروة الحيوانية والزراعة والصناعة والتعليم والحماية الاجتماعية وتعزيز جهود السلام والاستقرار، وهي كلها مؤشرات تؤكد أن عملية التعافي الوطني قد بدأت بالفعل وتسير في الاتجاه الصحيح رغم التحديات الكبيرة التي ما تزال قائمة.
ما هي أبرز مشاريع الوزارة خلال الفترة المقبلة؟
تعمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة على تنفيذ حزمة متكاملة من البرامج التي ترتكز على ثلاثة محاور منها.
أولا: التوسّع في مظلة الحماية الاجتماعية وإعادة تأهيل منظومة التدريب المهني والتلمذة الصناعية ودعم برامج التشغيل وريادة الأعمال والتمويل الأصغر للشباب والنساء والعائدين، كما تعمل الوزارة على تطوير مؤسسات سوق العمل وتعزيز الحوكمة المؤسسية بما يتسق مع معايير العمل الدولية.
العودة الطوعية متزايدة ما هي معالجاتكم للمواطنين لتحفيز العودة أكثر؟
العودة الطوعية تمثل مؤشرا إيجابيا على تحسن الأوضاع الأمنية والخدمية في عدد من المناطق، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تدخلات اجتماعية واقتصادية تضمن استدامتها وتحويلها إلى استقرار فعلي للأسر العائدة.
وفي هذا الإطار تعمل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للأسر العائدة عبر برامج الدعم النقدي المباشر وتعزيز التغطية بالتأمين الصحي للفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب إدماج العائدين ضمن برامج مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر.
كما تركز الوزارة على دعم برامج سبل كسب العيش والتوسع في التدريب المهني والتلمذة الصناعية وربطها باحتياجات مناطق العودة.
وتعمل الوزارة كذلك بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة على تسهيل إدماج العائدين في برامج الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية بما يسهم في تهيئة بيئة مناسبة للعودة الطوعية المستدامة خلال المرحلة المقبلة.
باشرتم مهامكم من الخرطوم، حدثنا عن العاصمة بعد الحرب؟
عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم تمثل خطوة مفصلية في مسار استعادة الاستقرار الوطني والمؤسسي.
ورغم حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات، إلا أن العمل يجري بوتيرة متسارعة لإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية واستعادة الخدمات الأساسية تدريجيا خاصة في مجالات الصحة والخدمات الاجتماعية والمياه.
ثمّة مهددات اجتماعية جراء الحرب على غرار التفكك الأسري وارتفاع معدلات الطلاق، هل استعدت الوزارة – باعتبارها معنية بالشق الاجتماعي – لمواجهة هذه التحديات؟
نحن ندرك تماما أن آثار الحرب لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية والخدمية فقط، وإنما تمتد بصورة مباشرة إلى البنية الاجتماعية للأسرة السودانية، بما في ذلك التفكك الأسري، وزيادة الضغوط النفسية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، وهي تحديات تتطلب استجابة مؤسسية متكاملة. وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية على تنفيذ حزمة من التدخلات الاجتماعية التي تستهدف تعزيز التماسك الأسري وتقليل آثار الحرب على الأسرة والمجتمع، من خلال ثلاثة مسارات ولعل أبرز مساراتها الرئيسية توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للأسر المتأثرة بالحرب عبر برامج للاستقرار، كما تعمل الوزارة عبر مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، وبالتنسيق مع الولايات، على إدماج الأسر المتضررة ضمن برامج الحماية الاجتماعية طويلة المدى، وليس فقط التدخلات الإسعافية المؤقتة، بما يعزز قدرتها على الصمود والاستقرار.
هل قدمتم إحصائيات خلال مشاركتكم الأخيرة في جنيف؟
نعم، كان من المهم خلال مشاركتنا في اجتماعات الدورة (356) لمجلس إدارة منظمة العمل الدولية بجنيف تقديم صورة دقيقة ومدعومة بالبيانات حول تأثيرات الحرب على سوق العمل والبنية الاجتماعية في السودان وقد أشرنا في بيانات السودان أمام مجلس الإدارة إلى أن الحرب أدت إلى تشريد أكثر من 12 مليون مواطن بين نازح داخلي ولاجئ خارج البلاد، كما قدمنا تأثيرات الحرب بتعطل قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي وفقدان مصادر الدخل لملايين الأسر وارتفاع معدلات البطالة، خاصة وسط الشباب والنساء وزيادة الضغط على نظم الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية.





