حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
“من غرينادا إلى ود النورة ..”
(1)
انفراد الولايات المتحدة بالساحة السياسية الدولية والذي بدأ بعد نهاية الحرب الباردة في بداية العقد الأخير من القرن الماضي استمر بصورة سلسة حتى مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين …أي حتى مطلع العشرينات الحالية..لأنها كانت تستصحب معها مصالح حلفائها الأوروبيين والموالين لها في أقاليم العالم الأخرى ..ولايعني هذا أنها كانت قابلة للتنازل من الإنفراد بزعامة العالم أو السماح بظهور اقطاب منافسين لها ..
على العكس تماماً كانت تسعى بكل السبل للمزيد من أحكام السيطرة على الساحة الدولية ولكن كان لابد لها من تقريب البعض برعاية مصالحهم وتحييد البعض باعطائهم شيئاً من الكيكة حتى لا يتكتل الجميع ضدها …
وبما أن منطق القوة يقول أن الحفاظ عليها يستوجب السعي لكسب المزيد منها … لذلك رأت الولايات المتحدة استثمار فترة تربّعها على عرش الكرة الأرضية بتوسيع مساحتها ليتوسع نفوذها بالتالي … فاخرجت الحلم القديم الذي قال به الأباء المؤسسون وهو التوسع فى الأراضي من غرينادا الي خليج بنما أي كل القارة …وهذا يعني أن كندا ذات نفسيها ستروح فيها .. وفي نفس الوقت طرد أي قوة أخرى من أمريكا الجنوبية تطبيقاً لقانون مونرو .
ولعل هذا يفسّر غضبة رئيس وزراء كندا مارك كارني في مؤتمر دافوس الاقتصادي عندما قال إننا نعيش في عالم بدون قواعد ..عالم تحكمه القوة الغاشمة …طبعاً الإشارة هنا الى بجاحة ترامب وكشفه للمستور من نوايا الولايات المتحدة الأمريكية..
ولم يكتف ترامب بذلك بل بدأ في تحويل النوايا الي واقع في فنزويلا..
( 2 )
إن كانت الولايات المتحدة أرادت تحويل رصيد عظمتها إلى التوسع أرضاً في قارة أمريكا الشمالية ونفوذاً في قارة أمريكا الجنوبية …فإن حليفتها المدللة في الشرق الأوسط إسرائيل تقوم استراتيجيتها على تمزيق الدول القائمة في المنطقة الي دويلات لتكون هي القوة العظمى الوحيدة في الإقليم .. وقد كانت إسرائيل شارعة في التنفيذ قبل أمها الولايات المتحدة نفسها وظهر ذلك في السودان إثيوبيا والصومال وليبيا واليمن وفي الطريق العراق وسوريا وفيما بعد البقية …
التناقض بين الولايات المتحدة التي تسعى إلى الضم وإسرائيل التي تسعى “للفرتقة” ظاهرياً ولكن جوهر السياستين واحد وهو تغيير الخرط القائمة ..كما أن خطوة إسرائيل التالية للتمزيق هي الضم ..لتكون الولايات الاسرائيلية المتحدة ليس من النيل الي الفرات بل من الهند الي كوش على حسب نتنياهو ..
(3)
فإذن ما يحدث في السودان اليوم يجب أن يفهم في ذلك الإطار الكلي ..بل يجب أن ننظر اليه كترس في ماكينة المعركة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل (ست ابوها ) .. لاسيما وأن السودان يعتبر فأر معمل جيد لأنه أسهم في تمزيق خارطته بنفسه في 2011… وهاهو يترشح للخطوة الانفصالية الثانية في دارفور وربما يكون سخياً ويقدم جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق . . لاسمح الله. .
سخاء السودان يتمثّل في أن أبناءه يخدمون ذلك المخطط بأنفسهم وبموارد السودان … ولا يحتاجون ..لحاملة الطائرات ابراهام لينكون …فإذا كان ما ذهبنا إليه من قراءة فيه شي من الصواب ينبغي على أهل السودان أن يغيروا من سلوكهم السياسي الحالي …أما إذا اصروا على الكوماج والموت المجاني ..ستكون نهايتهم ميتة وخراب ديار..
( 4 )
إذا قلنا إن منطق القوة يقول أنه يجب أن تكون في حالة دوران لاكتساب المزيد فإن ذات المنطق يقول إن هذا الدوران يكون فيه الفناء ، فحكمة الله في الكون تقول أنه لايوجد إطلاق في هذا الكون الا الله فهو المطلق الوحيد الذي له الكمال .. وماعدا ذلك فهو نسبي ففي وسط أي قوة توجد بذرة الضعف …أيكون الخير في الشر انطوى كما قال شاعرنا محمد المهدي المجذوب .. أما مصطفى سند فقد قال بيني وبينك تستطيل حوائط ليل وينهض ألف باب … يعني مهما استطال الحاجز فهو لن يخلو من الثقوب ….لكل دور اذا ما تم نقصان ..الذي يريدها عقلانية بحتة عليه بنقائض هيغل وجدلية ماركس ونسبية انشتاين ..ولعل في غرور ترامب ودموية نتنياهو تعملق بذرة الضعف في القوة الأمريكية وأظن أن ذلك بدأ بتخلي الحلفاء عنها ..ومثلنا الشعبي يقول “الطمع ودر ما جمع” .. فيابني السودان هذا قدركم ..فاعقلوا شوية ..






