رسم رؤية الدولة وملامح المرحلة القادمة
وزير الخارجية.. تحرّكات الدبلوماسية والميدان
رفض الحلول الجزئية ودعوة لتفكيك جذور الأزمة..رسائل واضحة
رهان على السلام المستدام..الهدن تطيل أمد الحرب
استفاقة دولية بعد انتهاكات الفاشر..ملاحقة داعمي التمرّد
دعوات لتعزيز دور الإعلام الوطني ..مواجهة غُرف مدعومة خارجياً
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
كشف وزير الخارجية السوداني السفير محي الدين سالم عن ملامح المرحلة المقبلة في تعامل الحكومة مع الأزمة الراهنة، مؤكداً أن الدولة لا تسعى إلى هدنة مؤقتة، بل تتجه نحو تحقيق سلام مستدام ينهي دوامة الحروب في البلاد، وأوضح الوزير، في حواره مع (الكرامة) أمس، أن التطوّرات الميدانية الأخيرة، خاصة في مدينة الفاشر، أسهمت في إعادة توجيه أنظار المجتمع الدولي إلى خطورة الأوضاع في السودان، مشيراً إلى أن العالم بدأ يستفيق تدريجياً على حقيقة ما يجري على الأرض.
توقيت حساس
وتأتي تصريحات وزير الخارجية في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الساحة السودانية تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، فالانتهاكات الجسيمة التي شهدتها مدينة الفاشر من قبل مليشيا الدعم السريع، أعادت صياغة المشهد وأجبرت المجتمع الدولي على إعادة تقييم مواقفه، وبحسب مراقبين فإن هذا التوقيت، يعكس محاولة واضحة من الحكومة السودانية لإعادة ضبط السردية السياسية، ونقل النقاش من إدارة الأزمة إلى حسمها، وهو تحول مهم في الخطاب الرسمي. كما أن التصريحات تحمل رسالة مزدوجة، الأولى للداخل بتعزيز الثقة في المسار الوطني في سياق سعي الخرطوم لاستعادة زمام المبادرة دبلوماسياً، بعد فترة طغى عليها الصوت الدولي الداعي إلى وقف إطلاق النار دون معالجة جذرية للأزم، وأما الرسالة الثانية فهي للخارج، ومفادها: إعادة تعريف أولويات الحل.
رفض الهدنة
ويحمل حديث وزير الخارجية عن رفض الهدنة المؤقتة دلالات عميقة تتجاوز ظاهرها السياسي، فالحكومة ترى أن مثل هذه الهُدن لا تمثل سوى (استراحة محارب) للميليشيات، تُستغل لإعادة التموضع والتزود بالسلاح والعتاد، تمهيداً لجولات جديدة من القتال، من هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى سلام مستدام تعني عملياً تفكيك بنية الحرب، لا تجميدها، كما تعكس هذه الرؤية حالة من عدم الثقة في بعض المبادرات الدولية التي تركز على وقف إطلاق النار دون ضمانات حقيقية.
دور محوري للإعلام
وأكد وزير الخارجية أن الإعلام الوطني يمثل شريكاً أصيلاً في معركة الكرامة، لما له من دور محوري في تشكيل الوعي العام ونقل الحقائق، غير أن هذا الدور لم يكن مفروشاً بالورود، إذ تعرّض الإعلام السوداني لضربة قاسية في بدايات الحرب، بعد سيطرة ميليشيا الدعم السريع على مؤسسات إعلامية حيوية، من بينها الإذاعة والتلفزيون ووكالة السودان للأنباء، إلى جانب تدمير مقار الصحف، وفي المقابل، اعتمدت المليشيا بشكل مكثف على أدوات وغُرف إعلامية مدعومة من محاور إقليمية ودولية في مقدمتها دويلة الإمارات، ما منح المليشيا تفوقاً نسبياً في الحرب الإعلامية خلال المراحل الأولى، ويفرض هذا الواقع على الحكومة ضرورة الاستثمار الجاد في إعادة بناء الإعلام الوطني، ليس فقط كأداة نقل، بل كقوة استراتيجية موازية للعمل العسكري والدبلوماسي، قادرة على مواجهة حملات التضليل وصياغة رواية وطنية متماسكة.
تحركات دبلوماسية
وزير الخارجية قال إن التحركات الدبلوماسية تأتي في إطار تخفيف العبء عن المقاتلين في الميدان، عبر عزل المليشيا سياسياً وتجفيف مصادر دعمها، وأشار إلى الدور المهم الذي تلعبه كل من مصر والسعودية في دعم وحدة السودان وسيادته واستقراره، من خلال مواقف سياسية ودبلوماسية متسقة مع مصالح الدولة السودانية، وتبرز في هذا السياق أهمية القمة المرتقبة للمجلس الاستراتيجي المشترك بين السودان والسعودية، والتي يُتوقع أن تشكل منصة لتعزيز التعاون الثنائي، ودفع جهود الاستقرار في المنطقة، بما ينعكس إيجاباً على مسار الأزمة السودانية.
تحوُّل
ويرى السفير نادر فتح العليم، الخبير في العلاقات الدولية وفض النزاعات، أن حديث وزير الخارجية محي الدين سالم وإصراره على أنه لا هدنة بعد اليوم، يعكس تحولاً من منطق إدارة الصراع إلى منطق الحسم، وشدّد السفير فتح العليم في إفادته للكرامة علي ضرورة التمسك بسردية الحكومة الرسمية لما يدور في السودان باعتبارها الأدرى بمتطلبات المرحلة، مطالباً المجتمع الدولي أن ينطلق من سردية الحكومة السودانية إذا أراد تحقيق حلول سلمية، وقال فتح العليم إن تبني خيار السلام المستدام يشير إلى رغبة الدولة في بناء تسوية نهائية قائمة على إنهاء مسببات الحرب، لا مجرد إيقافها مؤقتاً، مبيناً أن التحركات الدبلوماسية في هذا السياق لا تُفهم بمعزل عن العمل العسكري، بل تمثل امتداداً له، حيث تهدف إلى تقليل الضغوط الدولية، وكسب الدعم السياسي، بما يسهم في حسم المعركة لصالح الدولة، منوهاً إلى أن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرة السودان على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الميدان وضغوط المجتمع الدولي.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. تعكس تصريحات وزير الخارجية محي الدين سالم تحولاً واضحاً في مقاربة الأزمة السودانية، من البحث عن حلول مؤقتة إلى السعي نحو تسوية جذرية، وفي ظل تداخل الأبعاد العسكرية والإعلامية والدبلوماسية، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة السودانية على إدارة معركة متعددة الجبهات، عنوانها الأبرز: حسم الحرب وبناء السلام.






