وزارة العدل والصليب الأحمر يبحثان الوصول إلى المحتجزين المدنيين
سجون المليشيا ..خطف وتعذيب
تحرّكات دولية لكشف مصير المختفين قسرياً
غياب الحصر الدقيق يفاقم أزمة أكثر من “50” ألف مفقود
تقارير: “9” آلاف محتجز في سجن شالا ووفاة “300”
خبير قانوني: الاختفاء القسري قد يشكل جرائم حرب
تقرير :رحمة عبدالمنعم
في خضم الحرب المستمرة في السودان، يتصدّر ملف المختفين قسرياً واجهة الاهتمام الحقوقي والإنساني، مع تزايد التقارير التي تشير إلى احتجاز آلاف المدنيين في مراكز وسجون تابعة لمليشيا الدعم السريع، خاصة في إقليم دارفور.
وبين غياب الإحصاءات الرسمية واتساع دائرة القلق الشعبي، برزت تحركات دولية تقودها اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتنسيق مع وزارة العدل، في محاولة لفتح هذا الملف المعقد، وكشف مصير المفقودين، ووضع حد لمعاناة أسرهم التي تتفاقم يوماً بعد آخر.
تحركات دولية
وتتسارع وتيرة التحركات الرسمية والدولية لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في سياق الحرب الدائرة في السودان، والمتمثل في قضية المختفين قسرياً والمحتجزين داخل سجون ومراكز احتجاز تتبع لمليشيا الدعم السريع، خاصة في إقليم دارفور.
وفي خطوة تعكس تنامي الاهتمام بهذا الملف، التقى وزير العدل د. عبدالله درف بوفد بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر برئاسة دانيال أومالي، بحضور وكيل الوزارة وعدد من قياداتها اول أمس، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التنسيق والتعاون مع اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، إلى جانب تطوير آليات الدعم الفني والتدريب ورفع القدرات.
وتركزت مداولات الاجتماع على ملف المختفين قسرياً، إذ طرح الوزير قضية المدنيين المحتجزين لدى مليشيا التمرد، خاصة الذين جرى نقلهم إلى إقليم دارفور، مستفسراً عن الدور الذي يمكن أن تضطلع به اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوصول إليهم وكشف مصيرهم. واتفق الطرفان على تعيين ممثلين كنقطتي اتصال لتسهيل التنسيق المشترك، في خطوة تستهدف تسريع الإجراءات العملية في هذا الملف.
غياب المعلومات
ورغم خطورة الوضع، لا تتوفر حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة حول أعداد المفقودين، غير أن “المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات” تشير إلى توثيق اختفاء أكثر من “50” ألف شخص، مع توقعات بأن يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثير، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق متأثرة بالحرب.
وتشهد منصات التواصل الاجتماعي نشاطاً مكثفاً من قبل ناشطين وحقوقيين وأعضاء غرف الطوارئ، الذين أطلقوا حملات للبحث عن المفقودين، مدعومة بصور ومقاطع فيديو، في محاولة للوصول إلى أي معلومات تقود لمعرفة مصيرهم، وسط غياب شبه كامل للمعلومات حول مواقع الاحتجاز، خاصة في مناطق سيطرة الدعم السريع بدارفور وأجزاء واسعة من كردفان.
وتشير تقارير محلية إلى وجود مراكز احتجاز متعددة في إقليم دارفور، حيث أعلنت المقاومة الشعبية في ولاية شمال دارفور، مطلع فبراير الماضي، أن نحو “9” آلاف مواطن محتجزون في سجن “شالا” بمحيط مدينة الفاشر، مؤكدة وفاة 300 منهم نتيجة الإهمال الطبي.
وتحدثت تقارير مماثلة عن تخصيص مواقع في ولايتي جنوب ووسط دارفور كمراكز لاحتجاز معتقلين من دارفور وكردفان، إضافة إلى مرحّلين من ولايتي الجزيرة والخرطوم، قبل أن يستعيدهما الجيش ،وهو ما يعزز المخاوف بشأن اتساع نطاق هذه الانتهاكات.
جرائم حرب
وفي هذا السياق، يرى الخبير القانون الطيب عبدون أن قضية الاختفاء القسري تمثل “نتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، مشيراً إلى أن احتجاز المدنيين من قبل الدعم السريع، وحرمانهم من التواصل مع ذويهم أو الكشف عن أماكن وجودهم، قد يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية وقد ثبت أنه يتم بشكل واسع أو ممنهج
وأوضح الخبير أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تملك تفويضاً إنسانياً يتيح لها السعي للوصول إلى المحتجزين، وزيارة أماكن احتجازهم، ، لكنه شدد على أن فاعلية هذا الدور تظل مرهونة بمدى التزام الأطراف المسيطرة على الأرض بالسماح بالوصول غير المقيد
وأضاف أن الاتفاق على تعيين نقاط اتصال بين وزارة العدل واللجنة الدولية يمثل خطوة إيجابية، لكن المطلوب هو ترجمة هذا التنسيق إلى إجراءات عملية، تشمل حصر أسماء المحتجزين، وتمكين المنظمات الدولية من الوصول إليهم، وضمان معاملتهم وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
خطوة متأخرة
وتعكس هذه التطورات بداية تحرك دولي أكثر وضوحاً تجاه ملف المختفين قسرياً ، إلا أن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه الجهود إلى نتائج ملموسة على الأرض، تكفل الكشف عن مصير الآلاف وإنهاء معاناة أسرهم.
وفي ظل استمرار الحرب، يبقى ملف المختفين قسرياً اختباراً حقيقياً لجدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين، وفرض الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، في واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في المشهد السوداني الراهن.






