يوسف عبدالمنان يكتب في« حديث السبت »:هل تسقط حكومة البرهان بفتنة مصنوعة في مخابئ المليشيا؟

حديث السبت

كتب/يوسف عبدالمنان

هل تسقط حكومة البرهان بفتنة مصنوعة في مخابئ المليشيا؟

شمس الدين كباشي رجل الجيش، لا قبيلة ولا حزب ولا جهوية

مناوي ..وحرب الجبهات الثلاثة

(1)
●لم تسقط الإنقاذ ببندقية جون قرنق، ولا بفعل التجمع الديمقراطي، ولا بمعركة الذراع الطويل، التي قاد طلائع قوّاتها خليل حتى بلغ بها قلب أم درمان.. ولم تقتل مواطناً أعزلاً، ولم تنهب متجراً ولا منزلاً، ولم تغتصب فتاةً، ولم تحطم أبواب المصارف، لأخذ المال عنوةً.. ولم يدرك أهل السودان قيمة وأخلاق حركات دارفور الا بعد أن رأى الشعب نجوم النهار، بفعل جنجويد آل دقلو.
● ولكن الإنقاذ سقطت حينما تآكلت من الداخل، ووهن عظمها، وتغلغل في مكتب وبيت البشير عملاء دولة الإمارات، وعناصر المخابرات البريطانية، وحينما رفع شذاذ الآفاق عقيرتهم ووصموا البشير، بالعنصري المغرور وكل البلد دارفور، ذلك الشعار الكذوب، وقاومت الإنقاذ الحصار الاقتصادي بل نهضت تحت قوانين الحصار، واخرجت كنوز الأرض، وهي مصنفة دولة إرهابية!! وانتصرت في حرب العدوان الثلاثي من يوغندا وإثيوبيا إريتريا ومن ورائهم آخرين، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى.
●ولكنها سقطت من الداخل، حينما انشق صفها إلى شلليات !! موالين لقيادات متنافسة.. وأصبحت كل السلطات في يد البشير، وجرّد رجاله من كل قسط من السلطة، والنفوذ ، وحينما داهمت حشود المتظاهرين بيت الضيافة، الذي صار في السنوات العجاف مقر الحكم، وبات القصر الجمهوري مجرّد صورة من الخارج، خاوياً من كل شئ، بل حتى ما توفّر للبشير من مالٍ يسيرٍ يتصرّف فيه اتخذ له خزانةً في بيت الضيافة، عليها حراس غلاظ شداد، وحينما اقتحم المتظاهرون مقر البشير، كان الرجال الذين ائتمنهم على سلطته يقهقهون من وراء ستار، ينتظرون سقوط كبيرهم.
ومن لم يتعلّم من درس سقوط البشير، لن يتعلّم من السياسة الا ظاهرها.
●اليوم بعد أن انتصرت القوات المسلحة، بتلاحم الشعب وراء الفريق البرهان، وارتفعت شعبية الرئيس وسط المواطنين، وإلتف الإسلامي والاتحادي والأنصاري واليساري، والمستقل، وجمع البرهان لأول مرة أهل الغرب، والبحر، والوسط، والشرق، في تحالف غير معلن ولا مكتوب، سنده وعضده الهدندوة، والبني عامر، والشايقية، والقِمر، والفونج، والشكرية، والكواهلة، وعرب دويح، ونوبة الجبال ال 99 والبديرية وبعض من الحوازمة وكثير من المسيرية، وبعض من الرزيقات، والفور والأرنقا والمساليت والزغاوة وكاجا وكتلول، ودار حامد، والمعاليا، والرباطاب والمحس والجوامعة والجمع والجموعية، وآخرين من أهل السودان.
●لكن هذا الإجماع الذي تحقق وهذا التحالف الذي تشكل، لم تفلح حكومة البرهان في حسن إدارته، وتركت البلاد نهباً وساحةً للمخابرات الإقليمية، والدولية، وتشكّلت غرف لصناعة الفتن وضرب النسيج الاجتماعي، وبث الأخبار التي تبعثر البنيان المرصوص، ووجد هؤلاء ضالتهم في أخطاء صغيرة، فتحت منافذ تسلل، وسوء تقديرات سياسية، اخذت تنهش في جسد الوطن المثقل بالجراحات..
(2)
خلال الأسبوع الماضي وحده زرعت غرفة إدارة تفكيك الجبهة الداخلية ثلاثة أحداث، أولها الترتيبات العسكرية الخاصة بقيادة الجيش استطاعت القوى التي تتربّص بالبرهان وجيش الوطن أن تصنع من تلك الترتيبات حدثاً تصدر بشانه بيانات، بعضها مدسوساً على كيانات أهلنا النوبة، وبعضها مصنوعاً يدَّعون مناصرة الفريق شمس الدين كباشي، ظناً بأن الكباشي قد تعرّض لظلم في الترتيب العسكري، الذي أُعلن بتعيينه مساعداً للقائد العام بدلاً عن نائب للقائد العام، في الوقت الذي جُرّد فيه الفريق ياسر العطا من صفة مساعد القائد العام لرئيس أركان الجيش فقط، وفقد في ذات الوقت موقعه كعضوٍ في مجلس السيادة، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل كان الفريق شمس الدين كباشي، والفريق ياسر العطا، والفريق إبراهيم جابر، أصحاب قرار في الدولة قبل التدابير الأخيرة، أم كل السلطات في يد الفريق البرهان والدكتور كامل إدريس، الذي يتمتّع بسلطة تنفيذية كاملة، بينما مساعدي القائد العام بلا سلطة إلا من خلال وضعهم الشرفي، كأعضاء في مجلس السيادة، ولم يفقد الفريق شمس الدين كباشي أية سلطة، ولا موقعه الجديد به سلطة، ولا إبراهيم جابر، ولا المساعد الجديد ميرغني إدريس، إلا باعتباره المدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية، ومنصب المساعد أو نائب القائد العام هي مناصب بلا سلطات تنفيذية داخل القوات المسلحة، التي أصبح الحديث عنها مشاعاً لسابلة الواتساب، وناشطي الفيسبوك، حتى الضباط يكتبون تغريدات تعبر عنهم كأشخاص غير طبيعيين، وتشد على أيدي الفريق البرهان في فرض الانضباط داخل كل القوات النظامية، بإحالة كل من يكتب تغريدات ذات طبيعة سياسية للتقاعد، ليتفرّغوا لما هو أدنى من شرف الجندية، الذي يعني الانضباط المهني والسلوكي، ولكن بذات القدر فإن تغريدات مثيري الفتن العنصرية من عمسيب الي حياة عبدالملك ينبغي أن تطالهم يد القانون ولا شفاعة ولا استثناء لأحد، وقد كان لجهاز الأمن القبلي شوكة وسطوة، تحول دون نشر الفتن، في وسائل الإعلام، والآن مايبث في الميديا، بزعم الدفاع عن الفريق كباشي، لايمثل إلا قلة من أبناء جبال النوبة الذين عرفوا بالسمو فوق الجراح، وإذا تعرّض الفريق شمس الدين كباشي لظلم أو حيف فإن السودان كله لن يتوانى في الدفاع عنه، لأنه ابن القوات المسلحة وأحد رموزها المتّفق على حسن خلقها، ورفعة مكانتها، ويمثل الفريق شمس الدين كباشي قومية القوات المسلحة، لايعرف عنه انحياز لحزب، حتى بعد سقوط الإنقاذ، وتقرّب الجنرالات لقوى الحرية والتغيير، غير أن شمس الدين احتفظ باعتداله، ورفضه الانسياق وراء الشعارات، وواجه كباشي حميدتي، وقاد المواجهة، حينما شعر بأن الدعم السريع بات قريباً من ابتلاع الجيش، وحينما أعلن الاستنفار وتعالت شعارات التيار الإسلامي كبحها كباشي ورفض تسييس المقاومة الشعبية، وتعرّض لهجوم من الإسلاميين مثلما تعرّض للهجوم من القحاتة. ورجلٌ بهذا الاعتدال والنزاهة لن تنتقص من مكانته وظيفة ولايرفع شأنه كرسيٌ.. والكراسي بطبيعة الحال دوارة و إلى زوال، ولكن تبقى المبادئ والقيّم، والفريق كباشي يظل يمثل في مجالس السيادة الاعتدال، وروح القوات المسلحة، وهيبة الكاكي، والذين يبثون في وسائل التواصل الاجتماعي أخباراً أغلبها من صنع غرف الجنجويد، ويصدّقها البعض، فإنهم يسعون لتقزيم الكباشي في حاكورة قبلية لا تضيف له شيئاً، بل تخصم من رصيده القومي الكبير.
●نعم السلطة في يد الفريق البرهان بالقانون وبالدستور، وكل المساعدين النواب بلا سلطات حقيقية يسندها دستور، حتى الفريق مالك عقار اير نائب رئيس مجلس السيادة هو في الأصل بلا سلطات، إلا في حال تفويضه من قبل الرئيس، وأعضاء مجلس السيادة الآخرين بلا سلطات كذلك بنص الوثيقة الدستورية، وفي حال تفويض البرهان لأي من أعضاء مجلس السيادة، فإن التفويض ينتهي بأداء المهمة أو بالقيد الزمني، ولهذا السبب ظل أعضاء مجلس السيادة خاصة عبدالله يحي ورصاص بعيدين عن أضواء الإعلام، ولايطوفون على الولايات ويصدرون التوجيهات، كما كان يفعل حسبو محمد عبدالرحمن في جولاته الإقليمية، في الزمان الذي مضى.
وفي الواقع أثارت الترتيبات العسكرية غباراً كثيفاً، والوضع بهذا الضباب الذي يغشي الأبصار غشاوةً، يستدعي تدخلاً من البرهان أو خروج الفريق شمس الدين كباشي للإفصاح جهراً عن ماتم الاتفاق عليه، من ترتيبات، لقطع الطريق أمام مثيري الفتن.
●وفي ذات الوقت فإن حادثة مثل واقعة دلقو والمحس، التي أثارت الفتنة، بخطاب عنصري من شخصٍ مدفوعٍ من جهة ما تتربّص من وراء لافتات مناطقية، فإن الدولة مطالبة بإجراءات قانونية تطال الجناة، وتقدم من يدعون للكراهية، والعنف اللفظي، إلى المحاكمة، وإذا كانت نصوص القانون عاجزة وقاصرة عن ردع من يثير الفتن، فإن واجب الوزير دكتور درف ليس حياكة القوانين التي ترضي السلطان، ويجعل من بدرية سليمان قدوته في المهنة، ولكن واجب دِرف اليوم تعديل القانون الجنائي والنص على محاكمة من يثير الفتن ويدعو للكراهية العرقية، بالإعدام شنقاً حتى الموت، لا السجن والغرامة، لأن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح، وأكبر المفاسد نشر خطاب الكراهية، ماحدث في دلقو المحس ينبغي أن يجعلنا نتذكر الدور الكبير لأبناء الولاية الشمالية، في استضافة أهلهم الفارين من حجيم الحرب في دارفور.
●أما الواقعة الثالثة التي تهدّد هي الأخرى استقرار البلاد كان مسرحها مدينة بورتسودان التي فتحت عينيها يوم الأربعاء الماضي على احتجاجات إثر فقدان طفل بالمدينة، ولكن سرعان ماحاولت ذات الجهات المتربّصة بالسودان، تحوير الواقعة إلى منحي عنصري، وهذا التنامي في الكراهية يمثل مهدّداً حقيقياً لترابط النسيج الإجتماعي، وهدم البيت من الداخل. وليعلم الذين يثيرون الفتن من أجل مكاسب سياسية، فإن هذا البيت إذا تم هدمه من الداخل، يستحيل إعادة بنائه.
(3)
عاد المارشال مني أركو مناوي من جنيف بعد زيارة إلى عاصمة العالم الجديد، وأهم مدن أروبا، حيث تُصنع السياسة، وقاد مناوي حملةً واسعةً لتعرية مليشيا الدعم السريع، ومافعلته بأهل السودان عامةً، ودارفور خاصةً، والمارشال مناوي قدره أن يحارب في ثلاثة جبهات، في آنٍ واحد.
●خارجياً تبدوا وزارة الخارجية عاجزة عن نقل حقائق مايحدث في السودان للعالم، هذا التقصير يضع على عاتق أبناء دارفور في السلطة وخارجها، لعب دورٍ دبلوماسيٍ شعبيٍ وسط المجتمعات الغربية، ولا يخفي على مستنير أن يعلم بأن الدبلوماسية التقليدية غير ذات جدوى وفاعلية مثلما كان من قبل، فهذا عصر المنظمات والإعلام.
●الجبهة الأخرى التي يقاتل فيها مناوي هي معركة تحرير الأرض، وقد أثبتت القوات المشتركة فاعليةً كبيرةً على مسرح العمليات، وقدمت تضحيات في كل أرض السودان، ولو وجدت المشتركة الدعم الذي تستحقه والثقة فيها وأُسندت من قبل المقاومة الشعبية، لقهرت الجنجويد واستعادت فاشر السلطان، والجنينة في ساعات. وقتال مناوي في هذه الجبهة هو الجهاد الأكبر، ولكنه أيضاً يقاتل بسلاح الكلمة، من أجل حقوق إنسان دارفور.
وتعدّد الجبهات التي يقاتل فيها مناوي، لهي مهمة صعبة ومنهكة جداً في ظل غياب حكومة إقليم دارفور، التي يمثلها مناوي بلا نائب، وبلا وزراء يشكلون حضوراً الا من مصطفى تمبور، الذي يوجد في الميديا أكثر من وجوده على الأرض.!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top