د.عبد اللطيف البوني يكتب: «قبيلتك الخائف عليها»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«قبيلتك الخائف عليها»

(1)
ركّزنا في المقالات السابقة على أن الدولة في دستورها وفي قوانينها خالية تماماً من أي عنصرية …بل تجرمها ولكننا لم نبري المجتمع منها وقلنا إن المشكلة في القبلية فهي الحاضنة للعنصرية …وقلنا إن الدولة في سياستها تصالحت مع القبلية ..وعن طريق هذا التصالح وصلت شبهة العنصرية إلى الدولة … وكذلك الجهوية …وحتى لا نطلق القول على عواهنه يجب أن نثبت تصالح الدولة مع القبلية …وهنا لابد لي من الاعتذار عن تكرار بعض ما قلناه في المقالات السابقة فهو تكرار اضطراري لزوم الإضافة والربط حتى يكون المقال وحدة متكاملة …
(2)
الدولة التي أنشأها الانجليز تصالحت مع القبلية فقد كان تسجيل معظم الأراضي في الأقاليم باسم القبيلة عوضاً عن أن تكون باسم الدولة أو الأفراد كما تم في وسط السودان .. وتم توزيع الحواكير على حسب الولاء للحاكم الانجليزي.. بعض القبائل اعتبرت غير أصيلة منحت عموديات على أن تكون تابعة للنظارة القبيلة صاحبة الحاكورة أي كأنها مستضافة ..وهذا أوجد نزاعات صراعات وعصبيات كثيرة فيما بعد ..ثم جاء قانون الإدارة الأهلية 1927 الذي اعطي ناظر القبيلة صلاحيات إدارية كجمع الضرائب والعشور .. وصلاحيات قضائية إذ يمكنه ان (يكجم كجم)
الأحزاب السياسية التي استلمت الحكم من الانجليز لم تبقى على قوانين الإدارة الأهلية فحسب ..بل زادت كيل بتقريب زعماء القبائل وادخالهم البرلمانات حتى لاتبذل مجهود في كسب الناخب (ام كدادة ما ذنبها) ..
حكومة مايو بقرار فوقي ألغت الإدارة الأهلية ثم رجعت عن القرار وفي الحالتين كانت غير موفقة إذ زادت الطين بلة ..حكومة الإنقاذ أعطت القبلية ممثلة في الإدارة الأهلية بدل الحواكير ولايات ومعتمديات ولقب أمير… لزوم الرقشة وكدة …معارضة الإنقاذ في الأطراف قامت على أسس قبلية بما في ذلك الحركة الشعبية وحركات دارفور ..
حكومة الصادق أنشأت المراحيل كقوات صديقة على أسس قبلية… ثم تناولتها الإنقاذ في قوات حرس الحدود ثم الدعم السريع ..جاءت اتفاقية جوبا في أكتوبر 2020 والتي لم تكتف برفع القبلية لقيادة الدولة بل حاولت ايجادها حتى في المناطق التي تجاوزت القبلية … الحرب الدائرة الآن إذ بعثت القبلية في مناطق كانت القبيلة فيها مجرد انتماء عاطفي ….إذ اخذ الناس يلجأون إليها للقيام ببعض وظائف الدولة ..
(3)
جهاز الخدمة العامة أي الجهاز البيروقراطي الذي يدير الدولة ..وهذا الجهاز الالتحاق به قائم على قواعد موضوعية تقوم على أهلية الفرد ..مواصفات المعلم والطبيب والإداري والضابط والمحاسب والقاضي ، وكلها محددة وكيفية الالتحاق بالوظيفة الترقي فيها او الطرد منها كلها محددة من الغفير الي الوكيل …رغم الضوابط التي صنعت لهذا الجهاز إلا أن القبلية قد تسللت اليه عن طريق المحسوبية فأصبحت هناك وظائف عامة تسيطر عليها جهات قبلية معينة ثم جات السياسة (فطمبجتها إذ أطلقت يد الوزير مع انه منصب سياسي في التوظيف و(التفنيش والتعفيش) اي الاحلال والابدال.
(4)
هذا التطور في علاقة القبلية بالدولة أحدث في داخله تحوّراً كبيرا إذ تغيرت وظيفتها تماماً.. فقبل الاتصال بالدولة كانت القبيلة تقوم بدور طبيعي ومطلوب وهي الحفاظ على كيان الفرد داخل الجماعة ..ثم بعد ظهور الدولة الحديثة وظفها الانجليز لخدمة الدولة لتخفيف الأعباء الإدارية عنها على حساب حرية الفرد وتطلٍعاته …ثم مع الدولة الوطنية سعت القبيلة لأخذ نصيبها من كيكة مناصب الدولة (نحن تاني ما ننتظر يغرفوا لينا ..نشيل المغراف نغرف برانا) فأصبحت وظائف الدولة الدستورية (السياسية) عبارة عن غنائم فزادت مصروفات الدولة وكثرت ضرايبها وجباياتها وحال المسؤل سياسيا كان ام تكنوقراط ( دي دلوكة اخد عرضتي فيها وامشي) هذا التحور والارتفاع في سقف الطموحات بغض النظر عن مشروعيتها من عدمه… جعل القبيلة تبحث حليف فلجأت إلى الأقرب إليها في العنصر أو الجهة فظهرت العنصرية والجهوية.
(5)
خلاصة قولنا ان الانتماء للقبيلة ليس مشكلة اللهم إلا إذا تحول إلى قبلية وتعدّد العنصر ليس مشكلة الا اذا تحول إلى عنصرية والجهة الجغرافية ليست مشكلة الا اذا تحولت إلى جهوية فإذا صحت هذة القراءة التي سقناها في هذا المقال فإن الحل يكمن في انهاء تحور القبيلة فهي العقدة التي يجب أن نضع عليها المنشار …لا أعني اطلاقا توجيه الحديد والنار ولا بالضجة في الرادي بل على العكس تماما إنما الحكاية تدار برواقة وهداوة لسبب بسيط وهو ان القبلية في نسختها الشرسة الحالية قد جاءت وفق تدابير وسياسات معينة فالحل يجب أن يكون بذات السلاح وهو وضع سياسات وتدابير محددة ومضادة والتجارب البشرية ما تديك الدرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top