د. عبداللطيف البوني يكتب : الرئيس أفورقي غير

حاطب ليل

د. عبداللطيف البوني

الرئيس أفورقي غير

( 1 )
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الذي يقود سفينة بلاده منذ استقلالها عن إثيوبيا في 1993… قال في حق الشعب السوداني مقولة تكتب بماء الذهب …مقولة تنم عن فهم عميق بهذا الشعب …قال إننا في موقفنا المنحاز لوحدة الدولة السودانية ومؤسساتها قد عملنا رصيداً لشعبنا… لأن الشعب السوداني شعب وفي… يحفظ جميل من وقف معه ساعة الملمات والمحن ..انتهى…
إنه يقول انهم في إريتريا وقفوا مع السودان ليس من أجل السودان فحسب بل من أجل إريتريا .. لأن الشعب السوداني لن ينسى لنا هذا الموقف …بعبارة سوداناوية إننا قدمنا السبت للسودان لكي نكسب الأحد..
قد يقول قائل أنه كان ينبغي أن يقول إن موقفه كان رد جميل لموقف سوداني سابق لأن السودان وقف مع استقلال إريتريا من قبل… لدرجة أن السودان عرّض وحدته للخطر… لأن منقستو يومها عرض على حكومة السودان قمع تمرّد الجنوب مقابل قمع تمرد إريتريا …لكن أفورقي يعلم جيداً أن موقف السودان ساعتها كان مبدئياً لأن إريتريا كانت دولة مستقلة حتى عام 1952م.
ثم دخلت في اتحاد فدرالي مع إثيوبيا ثم ضماها الإمبراطور هيلاسي لاسي بقرار فوقي في 1962م.. ولو لا هزيمة الطليان في الحرب العالمية الثانية لنالت إرتيريا استقلالها منهم مباشرة ..فحالة إريتريا مختلفة عن جنوب السودان … تأسيساً على هذا قد يقول قائل أنه كان يمكن لأفورقي أن يقول إن موقفهم الحالي من السودان مبدئي … لأن السودان يتعرّض لانتهاك في سيادته …في تقديري إن الرئيس أفورقي قد تجاوز هذا إلى ما هو أسمى وهي إثبات قيمة الوفاء للشعب السوداني … وهي قيمة سامية يمكن أن تربط بين الشعبين فإنه يقول لشعبه عوضاً عن أن نقدم لكم مكاسب مادية آنية كما فعل بقية جيران السودان … فقد قدمنا لكم رصيداً مستقبلياً سوف يرده لكم شعب السودان …بعبارة جامعة إن أفورقي راهن على الشعب السوداني ..
( 2 )
بالمقابل لم يرتق الرؤساء الآخرون الذين تجاور دولهم السودان (تشاد جنوب السودان إثيوبيا) …لفهم أفورقي المتقدم للشعب السوداني لقصور من عند أنفسهم.. أو لأنهم نظروا للوضع السياسي المتسيّب في البلاد والذي صبت عليه الحرب (برميل) ماء فجعلت سيولته ذات قابلية عالية للتبخّر …أو ربما أعماهم المال السياسي الذي انهمر عليهم من رعاة العدوان …أو ربما لهم ضغينة تجاه السودان القوي نسبياً ويرون فيما حدث له فرصة للنيل منه… وقد تكون كل هذه (الربمات) مجتمعة مع غيرها لم نذكرها … قد يكون من التعسّف بمكان إذا طالبنا هؤلاء الرؤساء… أن يفهموا الشعب السوداني كما فهمه الرئيس أفورقي … لأن هذا الأخير عاش زمناً طويلاً بين ظهرانين الشعب السوداني فعرفة معرفة عميقة …ناجمة عن معايشة حقيقية …لكن بحكم الجيرة فإنهم يعلمون مالدى الشعب من نقاط القوة …ويكفي أن بلاد السودان تعج بملايين التشاديين والجنوب سودانيين والإثيوبيين … وأنهم يعيشون في السودان كلاجئين ليس في معسكرات نزوح … بل مختلطين مع الشعب في حواضره وأريافه …كان ينبغي على أولئك الرؤساء مراعاة احتضان هذا الشعب لشعوبهم …إنهم يدركون تمام الإدراك أن السودان منارة من منارات القرن الافريقي …فإن جهلوا مالدى الشعب من قيم الوفاء التي أدركها أفورقي.. ما كان ينبغي عليهم يأمنوا مكره لأن هذا من حسن السياسة بالنسبة لهم ….فإن غاب عنهم الرصيد المستقبلي أي فتح حساب توفير ..ما كان ينبغي أن يغيب عنهم خطورة تقديم شيك بدون رصيد.
( 3 )
ومع كل الذي تقدّم ينبغي علينا في السودان أن نرجع ونلوم أنفسنا ونغنّي مع وردي لأبي قطاطي (براى سويتها في نفسي) فحالة التسيّب والسيولة السياسية التي نعيش فيها تحجب عن الناظر من الخارج إبصار ما يتمتّع به شعبنا من قيم رفيعة… وأن هذه القيم كفيلة إن شاء الله لكي تقوده إلى شاطي الأمان رغم ضخامة التضحيات …إن هؤلاء الرؤساء المجاورين لنا يرون الآن جيشاً (كارب قاشه) ومصمّم على استعادة أي شبر من البلاد …يرون جيشاً يقود حرباً غير عادية …جيشاً يقاوم عدواناً لامثيل له من قبل ..ولكنهم بالمقابل لايرون حكومة تقوم بعمل دبلوماسي راشد …لا يحسون بوجود (حساسات دبلوماسية ) سودانية في عواصمهم ….قوة الفاعلين من غير الدولة في السودان محجوبة عنهم …لقد فشلنا في مخاطبة هؤلاء الجيران وإقناعهم بأننا ثور أبيض وأنهم ثور أسود سوف يؤكلون بعدنا… كما فشلنا في اعلامهم أن الرمد الذي يصيب العين بالإحمرار لم يبارحنا فالحكاية كتراكت (موية بيضاء) ..لقد نجح الآخرون في أن يلقوا في روعهم أن الجلكوما (موية سوداء) تمكنت منا …من الآخر كده إننا أدخلنا أنفسنا في امتحان حقيقي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top