صحيفة أمريكية كشفت بيع الآثار لشراء السلاح
«المليشيا »..نهب تاريخ السودان
“وول ستريت جورنال”: الآثار المنهوبة تحوّلت لتمويل الحرب
اختفاء آثار توثق لآلاف السنين..فوضى الجنجويد
سرقة غرفة الذهب من المتحف القومي..لاتقدر بثمن
“150” مليون دولار حجم الخسائر
المخابرات استردت بعضها ..أحبطت مخطط التهريب
تقرير :رحمة عبدالمنعم
لم تكتفِ مليشيا الدعم السريع بتدمير البنية التحتية وتشريد المواطنين وإشعال الحرب في السودان، بل امتدت يدها إلى ذاكرة البلاد الحضارية، حين استهدفت المتاحف القومية ونهبت كنوزها الأثرية التي توثق لآلاف السنين من التاريخ السوداني، قبل أن تُباع في السوق الدولية غير المشروعة للفنون، لتتحول عائداتها إلى مصدر لتمويل العمليات العسكرية وشراء الأسلحة والطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة.
نهب ممنهج
وكشفت صحيفة( The Wall Street Journal) الأمريكية، في تقرير حديث استند إلى إفادات مسؤولين ومؤرخين وأمناء متاحف سودانيين، أن مليشيا الدعم السريع نفذت عمليات نهب ممنهجة استهدفت القطع الأثرية النادرة التي تمتد من العصر الحجري وحتى بدايات ظهور الإسلام، مؤكدة أن تلك القطع كانت تُباع لمن يدفع أكثر عبر شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار.
وبحسب الهيئة العامة للآثار والمتاحف في السودان، فإن قيمة الكنوز المنهوبة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تُقدّر بنحو 150 مليون دولار، في واحدة من أكبر عمليات السطو على التراث الثقافي في تاريخ البلاد.
وأوضحت الصحيفة أن الأيام الأولى للحرب شهدت استهدافاً مباشراً للمتاحف الأربعة الرئيسية في الخرطوم، حيث تمركز قناصة الدعم السريع فوق سطح المتحف القومي، قبل أن تبدأ عمليات النهب المنظمة، وعلى رأسها الاستيلاء على جزء كبير من الذهب التاريخي الموجود بالمتحف.
وكانت “غرفة الذهب” تمثل الفاجعة الأكبر، إذ ضمت مقتنيات وصفت بأنها “لا تُقدّر بالمال”، من بينها قطع من الذهب الخالص عيار 24، يعود عمر بعضها إلى نحو ثمانية آلاف عام، وتشكل جزءاً من الإرث الحضاري للممالك السودانية القديمة.
وسط الخرطوم
وفي مارس 2025، وبعد استعادة الجيش السيطرة على وسط الخرطوم، دخل موظفو قطاع الآثار إلى المتحف للمرة الأولى منذ عامين، ليجدوا حجم الدمار والنهب يفوق كل التوقعات، وسط اختفاء معروضات نادرة وتحطيم أجزاء واسعة من البنية المتحفية.
ونقلت الصحيفة الامريكية عن مسؤولين سودانيين، مدعومين بصور أقمار اصطناعية، أن القطع المنهوبة نُقلت بواسطة شاحنات إلى الحدود الجنوبية والغربية، حيث جرى تهريبها إلى خارج البلاد عبر شبكات منظمة.
وأكّد محققون تابعون للأمم المتحدة أن هذه القطع كانت تُباع لاحقاً لتجار فنون دوليين، فيما تُستخدم عائداتها لشراء الطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة وقذائف المدفعية، بما يجعل نهب الآثار جزءاً مباشراً من آلة الحرب.
وأشار مسؤولون سودانيون إلى أن بعض القطع استعادها الجيش عقب اشتباكات مع قوات الدعم السريع، بينما صادرت سلطات الجمارك قطعاً أخرى عند المعابر الحدودية أثناء محاولات تهريبها.
دور المخابرات
وفي خطوة وصفت بأنها انتصار وطني لحماية الذاكرة السودانية، أعلنت السلطات السودانية في 13 يناير 2026 استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، كانت في طريقها إلى خارج البلاد، وتمثل نحو 29 بالمائة من إجمالي الآثار التي كانت معروضة في متحف السودان القومي بوسط الخرطوم.
وقال نائب مدير جهاز المخابرات العامة اللواء عباس محمد، خلال مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان إن الجهاز نفذ عملية أمنية معقدة أحبط من خلالها مخططاً كبيراً لتهريب آثار سودانية مملوكة لهيئة المتاحف إلى خارج البلاد.
وأضاف: تم استعادة عدد كبير من القطع الأثرية، مشيراً إلى أن سرقة الآثار السودانية ومحاولة تهريبها إلى الخارج تُعد جريمة خطيرة ارتكبتها قوات الدعم السريع ضمن سلسلة من الانتهاكات الممنهجة بحق الوطن وتراثه.
وأوضح أن الأجهزة العدلية السودانية تعمل بتنسيق مشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين لاسترداد الآثار التي جرى تهريبها إلى الخارج خلال فترة الحرب، مؤكداً أن هذه العملية لا تقتصر على بعدها الأمني فقط، بل تمثل معركة حقيقية لحماية تاريخ السودان وصون تراثه القومي باعتباره جزءاً من الأمن الوطني.
عمل وطني
ويرى مراقبون أن نجاح جهاز المخابرات العامة في استعادة هذا العدد الكبير من القطع الأثرية يمثل عملاً وطنياً بالغ الأهمية، ويعكس يقظة الأجهزة الأمنية في مواجهة واحدة من أخطر جرائم الحرب الثقافية التي تعرض لها السودان.
وأكد مراقبون أن نهب الآثار لا يُعد مجرد سرقة لمقتنيات تاريخية، بل هو بيع مباشر لذاكرة الأمة ومحاولة لطمس هوية البلاد الحضارية الممتدة عبر آلاف السنين، مشددين على أن قيام مليشيا الدعم السريع ببيع هذه الكنوز لشراء السلاح يكشف حجم الانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه، حيث تحوّل تاريخ السودان إلى سلعة في سوق الحرب.
وأشاروا إلى أن حماية المتاحف واسترداد الآثار المنهوبة يجب أن تظل أولوية وطنية، لأن ما سُرق ليس ذهباً فقط، بل صفحات كاملة من تاريخ السودان، وذاكرة شعب، وشهادة حضارة لا يجوز أن تُباع في مزادات الدم والخراب.






