تشهد احتجاز وانتهاكات فظيعة تجاه النساء
“أبوزبد”..في مهب الفوضى
معلومات صادمة ..الحاضنة أمام اختبار الكرامة
تحالفات السلاح تتحوّل إلى كابوس على المجتمعات
دعوات متصاعدة للتحرك.. تساؤلات حول دور القيادات
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تتواصل بمدينة أبوزبد وبعض المناطق بولاية غرب كردفان حدة الانتهاكات المتصاعدة الجسيمة والمقلقة بحق المدنيين، حيث تفيد مصادر محلية أن الكثير من فتيات قبيلة المسيرية ما زلن يتعرّضن لعمليات احتجاز واعتداءات جنسية متكرّرة داخل مرافق تعليمية، في ظل سيطرة عناصر مسلحة من دولة جنوب السودان تنتمي لمرتزقة من قبيلة النوير يدعمون مليشيا الدعم السريع المتمرّدة، وتشير المعلومات إلى أن تلك العناصر تفرض نفوذها على المنطقة، وسط حالة من الانفلات الأمني، وغياب الحماية للمدنيين، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
سيطرة وانفلات
ومنذ أكثر من عامين ونصف العام، تخضع ولاية غرب كردفان لسيطرة مليشيا الدعم السريع المتمرّدة، وفي خضم هذا التحوّل، برزت ظاهرة الاعتماد على عناصر أجنبية في إدارة المشهد الأمني والعسكري، حيث تفيد المعطيات الميدانية بأن قيادة الميليشيا أسندت إدارة ولاية غرب كردفان إلى أحد القادة الميدانيين من مرتزقة قبيلة النوير، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة، خاصة مع تفاقم الانتهاكات التي طالت المدنيين، من بينها عمليات خطف واغتصاب لحرائر المسيرية، ونهب ممتلكاتهم، ويبدو المشهد كأن الأرض التي كانت مرعىً آمناً للقطعان، تحولت إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات، حيث تُساق الكرامة كما تُساق الماشية، في مفارقة موجعة.
نزاعات متكررة
ويحدثنا لسان التاريخ عن ذاكرة مثقلة بالصراعات بين المسيرية ومجموعات جنوبية، خاصة في مناطق التماس مثل أبيي والميرم، حيث اشتعلت النزاعات حول الموارد والمراعي، وامتدت جذورها إلى عقود طويلة من التوتر بين المسيرية ودينكا نقوك، ووفقاً لمحللين سياسيين فإن قرار إسناد إدارة مناطق المسيرية لقائد ميداني من النوير أشبه بإلقاء شرارة في حقل جاف، حيث يكشف هذا القرار عن أحد احتمالين: إما أنه قرار براغماتي بحت: يهدف إلى تثبيت السيطرة عبر عناصر أكثر ولاءً للقيادة المركزية، بغض النظر عن الحساسيات الاجتماعية، أو أنه تعبير عن خلل استراتيجي عميق يتجاهل طبيعة الصراع التاريخي، ويُقدّم منطق القوة على حساب التوازنات المجتمعية، وفي الحالتين، فإن النتيجة واحدة: احتقان متصاعد، وانفجار في جسد المجتمع المحلي، حيث تتحول الحواضن إلى ضحايا، ويتحول الحلفاء إلى خصوم.
صدى الانتهاكات
وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي تقارير صادمة عن ما يجري في مدينة أبوزبد وبعض المناطق بولاية غرب كردفان، واصفين الوضع بوصمة العار، في جبين الإنسانية، وتحدثت معلومات عن احتجاز أكثر من عشرين فتاة داخل مدرسة، والتعامل معهن كـغنائم حرب، في مشهد يعيد إلى الأذهان عصوراً مظلمة ظن العالم أنه تجاوزها، وجاءت النداءات حادة ومباشرة، تخاطب أبناء المنطقة وتدعوهم للتحرك، في لغة يغلب عليها الغضب والمرارة، حيث صُوِّر الصمت كخيانة، والتقاعس كتنازل عن الكرامة، ويعكس هذا التفاعل حالة غليان شعبي، وتآكل الثقة في القيادات المحلية، التي بدت في نظر كثيرين عاجزة أو غير راغبة في التدخل.
اعترافات
وكان الناشط الاجتماعي، الفاضل الجبوري، الذي يعتبر من أبرز الداعمين لمليشيا الدعم السريع وسط قبيلته المسيرية، قد أعرب عن أسفه العميق إزاء الانتهاكات التي طالت النساء والفتيات المسيريات، وأشار الجبوري إلى أن هذه الممارسات ألحقت ضرراً بالغاً بصورة مليشيا الدعم السريع وسط المجتمعات المحلية، داعياً أبناء المسيرية المنخرطين في القتال إلى الانسحاب والعودة لحماية أهلهم، كما انتقد الجبوري سوء إدارة العمليات في كردفان، مرجعاً ذلك إلى الاعتماد على الولاءات القبلية بدلاً عن الكفاءة، وهو اعتراف يعكس تصدعات داخل الحاضنة الاجتماعية، وبداية مراجعات قد تكون أعمق في المستقبل.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. يبقى ما يجري في مدينة أبوزبد وبعض المناطق بولاية غرب كردفان، يتجاوز الانتهاكات المعزولة، ليشكل عرضاً لأزمة مركّبة تتداخل فيها العوامل العسكرية والاجتماعية والسياسية، ذلك أن الاعتماد على عناصر خارج النسيج المحلي، وتغليب منطق القوة على الحكمة، أفضى إلى تفكك الحواضن، وانقلاب المعادلة من حماية المجتمع إلى الاعتداء عليه، وتبقى المفارقة المؤلمة، في أن الضحايا ينتمون إلى ذات البيئة التي كانت تُعد سنداً للمليشيا، ما يكشف عن هشاشة التحالفات القائمة على المصالح الضيّقة.






