السفير أسامة أحمد عبدالباريء يكتب ل(الكرامة)
السودان في عين العاصفة
حرب الداخل… وصراع النفوذ على القرن الأفريقي والبحر الأحمر
استقرار البلاد لن يتم دون تسوية تشمل كل القوى الوطنية
محاولة إضعاف السلطة المركزية سيناريو يهدّد كل الإقليم لا السودان
بقلم السفير : أسامة
أحمد عبدالباريء
سفير السودان لدى إريتريا
مدخل : جغرافيا تصنع السياسة
لم يكن السودان يوماً دولة عابرة فقط في خرائط الجغرافيا السياسية ،فهو يتوسّط حوض النيل، ويتكئ على عمق أفريقي ممتد، ويفتح نافذته البحرية على واحد من أهم الممرات المائية في العالم : البحر الأحمر ، هذا الموقع جعله حلقة وصل بين العالم العربي وشرق أفريقيا، وبين اليابسة والمحيط، وبين المصالح الإقليمية والتوازنات الدولية، ومنذ اندلاع حرب الكرامة منتصف أبريل 2023م عقب تمرد ميليشيا الدعم السريع الإرهابية المتمردة ، لم تعد الأزمة شأناً داخلياً محضاً، بل تحوّلت إلى بؤرة جذب لتقاطعات النفوذ، ومختبر مفتوح لإعادة رسم موازين القوى في القرن الأفريقي وساحل البحر الأحمر .
*أولاً : التحدي السياسي
لقد أفرزت حرب الكرامة واقعاً سياسياً مختلفاً ، حيث باتت مؤسسات الدولة المركزية هدفاً مباشراً للإستنزاف و التفكيك ، ومع تصاعد المواجهات ، ظهرت فواعل محلية مسلحة وأطراف إقليمية تسعى لملء الساحة السياسية و التأثير في مسار الأحداث ، ما أضفى على الصراع بعدًا يتجاوز حدود السودان ، إذ لم تعد المعركة مجرد صراع عسكري ، بل صراع وجودي و صراع على تعريف الدولة نفسها: هل تبقى دولة موحّدة بمؤسساتها السيادية، أم تتحول إلى مساحات نفوذ متنازعة ؟ ،
هذا و قد تكثّف الحضور الإقليمي والدولي في المشهد السوداني ، سواء عبر الدعم السياسي أو التمويل أو توظيف الحرب لتحقيق مكاسب استراتيجية ، و تتداخل في هذه الساحة مصالح قوى كبرى ، إلى جانب قوى إقليمية ،
والسودان ، بحكم موقعه وثرواته وموانئه ، أصبح هدفا استراتيجيا في شبكة تنافس عالمي / إقليمي على الموانئ والموارد وخطوط الملاحة .
ومن هنا فإن التحذيرات تتصاعد من مخاطر محاولة تقسيم البلاد أو محاولة إضعاف السلطة المركزية وهو سيناريو لا يهدّد السودان وحده ، بل ينعكس على كامل الإقليم ، حيث ترتبط استقرارية دول الجوار باستقرار الخرطوم ارتباطاً عضوياً .
*ثانياً : التحدي الأمني
إن التداعيات السلبية لحرب الكرامة الدائرة في السودان تمتد إلى دول الجوار عبر حركة النزوح و إنتشار السلاح وتداخل الجماعات المسلحة ، ما ينعكس على الأمن في عدد من دول الجوار كتشاد، وأثيوبيا وأفريقيا الوسطى ، وجنوب السودان ، وغيرها من دول الجوار ودول القرن الأفريقي .
لقد تحوّلت هذه الحدود المتداخلة ، التي كانت جسور تواصل تاريخية ، إلى مسارات محتملة لتمدد الفوضى ، ولما كان البحر الأحمر شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، فإن تصاعد التوترات الإقليمية ، تفسح المجال بتنامي الوجود العسكري لقوى متعددة على سواحله ، ما جعله مسرحاً مفتوحاً لاحتمالات التصعيد، ولا ينفصل التنافس على الموانئ والقواعد البحرية و المصالح الحيوية ، عن الحرب في السودان ، بل يتغذى عليها، ويجعل من أي اضطراب داخلي خطراً محتملاً على أمن الملاحة الدولية ، خاصة في مضيق باب المندب ، وإلى جانب النزاع العسكري ، تتصاعد تحديات القرصنة والهجمات المسلحة وتهديد سلاسل الإمداد ، ما يرفع تكلفة التأمين والشحن ويؤثر في اقتصادات المنطقة والعالم.
ثالثاً: التحدي الاقتصادي
الواقع يؤكد أن الحرب قد ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد السوداني ؛ حيث تراجعت الاستثمارات ، وتقلصت الإيرادات العامة ، وتراجعت الخدمات الأساسية ، فيما ارتفعت أسعار السلع ، ، وقد انعكست هذه الأوضاع على ملايين السودانيين ، وامتدت آثارها إلى اقتصادات ترتبط بالسودان عبر التجارة والتحويلات ، على الرغم من الأداء الإقتصادي الايجابي الذي نجح و تميز في الصمود و نجحت جهات الإختصاص بالسودان في إيجاد البدائل الإقتصادية و أوجدت حلولا خلاقة مكنت الاقتصاد السوداني من الصمود و مجابهة اوضاعا إستثنائية لو حدثت في كثير من دول العالم لإنهار الاقتصاد و إنهارت الدولة .
.رابعاً : الموقف الإريتري : دعم الاستقرار من داخل البيت الأفريقي
برزت دولة إريتريا كأحد الأطراف الإقليمية الداعمة لوحدة السودان ومؤسساته الوطنية ، حيث أكدت دعمها للقوات المسلحة السودانية بوصفها ركيزة الدولة ، و عبّر الرئيس أسياس أفورقي في أكثر من مناسبة عن رؤيته القائمة على رفض التدخلات الأجنبية في الشأن الأفريقي ، والتشديد على أن أزمات القارة ينبغي أن تُعالج داخل البيت الأفريقي ، وينسجم هذا الموقف مع رؤية أوسع لدى أسمرا تعتبر أن استقرار السودان جزءٌ من استقرار القرن الأفريقي و إقليم البحر الأحمر ، وأن أي تفكيك للدول الوطنية يفتح الباب واسعاً أمام فوضى إقليمية طويلة الأمد.
*خامساً: بين الإقليمي والدولي : سباق نفوذ مفتوح
تتشابك في القرن الأفريقي مصالح الطاقة، وخطوط الملاحة، والقواعد العسكرية، والاستثمارات الكبرى. ومن ثمّ فإن موارد السودان الغنية تجعل ان يكون هنالك تنافس أوسع يتجاوز حدوده الجغرافية ، و إقليميا يتشكل صراع على المستقبل : من يملك الموانئ؟ من يؤمّن المضائق؟ ومن يرسم خرائط النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية .
*سادساً : خلاصات استراتيجية
1.الحل يبدأ من الداخل:
القيادة في السودان تعي تماما أن استقرار البلاد لن يتم دون تسوية وطنية شاملة تشمل كل القوى الوطنية غير المرتهنة و غير العميلة للخارج تحمي مؤسسات الدولة وتعيد بناء الثقة السياسية .
و تعي تماما أيضا ضرورة التعامل الجاد و الحاسم مع العناصر المناوئة للصف الوطني في معركة الكرامة و إستهداف الخلايا النائمة الموالية للمليشيا الإرهابية المتمردة بالآليات القانونية و أطر العدالة في كافة أنحاء البلاد.
2.تعاون إقليمي فعّال:
إدارة الحدود وتأمين البحر الأحمر تتطلب آليات مشتركة بين دول الإقليم .
3.تنمية عابرة للحدود :
التكامل الاقتصادي يمكن أن يكون جسرًا للاستقرار بدلًا من أن تكون الجغرافيا ساحة صراع .
4.أمن بحري جماعي:
حماية الملاحة مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقًا إقليميًا ودوليًا متوازنًا يحترم سيادة الدول و مصالحها الوطنية و استقرارها الداخلي .
سابعاً : خاتمة
*السودان ليس جزيرة معزولة
لم تعد حرب الكرامة في السودان حدثاً محلياً محدود الأثر ؛ بل تحوّلت إلى عامل إعادة تشكيل في معادلة القرن الأفريقي وساحل البحر الأحمر . فإستقرار الخرطوم هو استقرار للإقليم ، و تأثرها سلبا سيعيد رسم خرائط القلق من جديد .
إن مقاربة الأزمة برؤية أفريقية خالصة ، تدعم وحدة الدولة الوطنية وترفض التدخلات الهدّامة ، و تظل المدخل الأنجع لتجنيب المنطقة منزلق الفوضى ، وصون مصالح شعوبها في التنمية و الأمن و الإستقرار و السيادة و الرفاه.






