حوار : ساجدة دفع الله
الحرب أفرزت واقعاً مريراً خلال الأعوام الماضية لم تسلم منها كل فئات المجتمع بمختلف أعمارها، وبالطبع تنتج عنها كوارث ، ومن أبرزها الأطفال فاقدي السند الذين يولدوا خارج الأطر الزوجية ونظراً لأنها وصمة عار يتم التخلص منهم ما يشكل جريمة إضافية، حيث تعرض حياة المولود للخطر .
وبرز متطوعين لهم مواقف تجاه هذه الشريحة وقاموا بالعمل على تقديم المساعدة لهؤلاء الأطفال الذين لا ذنب ولا حول لهم.
“الكرامة” التقت علي جباي متطوع في العقد الرابع من عمره، مهندس مكانيكي، ويعمل متطوعاً بمستشفى النو بأم درمان معروف برعاية وتكفين ودفن الأطفال فاقدي السند.
وناشد جباي في،حديثه مع (الكرامة) الأسر ورجال الدين والمجتمع عامة بنشر التوعية وتكثيف الجهود للقضاء على ظاهرة الأطفال فاقدي السند، وكشف عن الكثير من المعلومات فإلى مضابط اللقاء.
حدثناً عن بداياتك في العمل التطوعي؟
منذ بداية الحرب اللعينة واستمرار القتال في الشوارع عملت متطوّعاً في مستشفى النو بأم درمان مع شباب الحي، وكنا ننتشل الجثث ونقوم بتصويرها ونشر الصور في وسائل التواصل الإجتماعي لمعرفة ذويهم وننتظر 72ساعة قبل تكفينهم ودفنهم، وفي حال عدم وجود ذويهم نقوم بدفنهم ونضع علامات على القبور وأيضا كنا نسعف المصابين ونوفر لهم إحتيجاتهم الطبية وغيرها وكنا نوفر لهم الأكل والشرب وللمرافقين وحتى هذه اللحظة لم نكُل من عملنا هذا، وفتحنا قسم بالمستشفى لتجهيز و تكفين الموتى، ولدينا ثلاجة واحدة فقط بمكيفين نضع بداخلها الجثث.
ماهي دواعي فكرة مبادرة (طيور الجنة)؟
منذ الشهور الأولى في الحرب فتحنا قسم مجهولي الهوية وهو مختص بالمجهولين الأحياء وكنا نقوم برعايتهم حتى يظهر ذويهم، وكان مركز الشهيد مكاوي محطة انتظار لمجولي الهوية والمصابين، بالإضافة لاستراحة مرضى الكُلي، وكانت تظهر حالات أطفال فاقدي السند “ومنهم أطفال توفيت أمهاتهم بالمستشفى”، وكنت متطوعا بكفالة الأطفال مع أخواني المتطوعين في قسم مجهولي الهوية.
هل هنالك جهات تتواصل معك عند العثور على طفل ملقي بالشوارع؟
نعم الكثير من الناس يقومون بالتواصل معي هاتفياً، واتحرّك مباشرة نحو الحالة، واستلم الطفل وأقوم بتسليمه لشرطة حماية الأسرة والطفل ثم ينقل للمستشفى للإطمئنان على صحته وأغلبهم يكونوا مرضى وفي بعض الأحيان يكلف علاجهم مبالغ مالية، وأقوم بدفعها، بواسطة فاعلي الخير وأيضاً ملتزم بتوفير كافة احتياجات الطفل من (اللبن والبزة والبامبرز وملابسه ….إلخ) .
مقاطعة… بعد استلام فاقدي السند والاطمئنان على صحتهم… هل تقوم بنقلهم لدار رعاية خاص بهم؟
أثناء الحرب كنا بنسلمهم لأسر متبنية وتتم عبر إجراءات كاملة، بتسجيل البيانات، وبعد تحرير العاصمة الخرطوم ورجوع الحكومة أصبح العمل بالتنسيق مع الرعاية الاجتماعية، وحماية الأسرة والطفل ومبادرة طيور الجنة كونت شبكة كبيرة من الأسر البديلة، وبعد التحري من الأسرة الحاضنة يتم منحها الطفل من الرعاية الاجتماعية.
كم بلغت إحصائية الأطفال فاقدي السند الذين قمت برعايتهم؟
عدد الأطفال فاقدي السند أكثر من (50)طفلاً في الآونة الأخيرة وهذا المعلن فقط لكن ،عموماً نسبة الأطفال ضحايا القصف والذخائر الطائشة والمواد المتفجرة في الحرب كثيره جداً ما يقارب (1000)طفل ومايزيد، وقمنا أنا وفريقنا بتكفين ودفن نحو (7000)شخصا ً خلال السنوات الثلاث الماضية من ضحايا الحرب على العموم بما فيهم الأطفال .
هل حصل قامت إحدى الأمهات بالتواصل معك لأخذ طفلها؟
في بعض الحالات أمهاتهم شبه معلومات ولكن مافي واحدة بتتجرأ تقول عايزة طفلها بعدما رمته في الشارع ، لأنه أصبح ملك غيرها، وهنالك بعض القبائل التي تتقبل تربية الأطفال بدون زواج، والعادات والتقاليد والعرف السوداني لا يتقبل هذه الحالات بسهولة على العموم .
أصعب موقف مر بك في هذا العمل؟
وجدت طفل محروق، والكلاب بدأت بأكله، تم العثور عليه بواسطة قوات الشرطة بحي المنارة أم درمان وقمت بتكفينه بيدي ودفنه، وكان مشهد مؤلم وموجع، وصراحة انهرت تماماً، من هذه الوحشية التي تعرض لها طفل برئ نتيجة أفعال غير مسؤولة.
في الآونة الأخيرة كثرت ظاهرة رمي الأطفال في الطرقات والتخلص منهم. …برأيك هي نتيجة الاغتصابات التي قامت بها مليشيا الدعم السريع؟
أنا لست الجهة التي تحدد ذلك، لكن لابد من محاربة هذه الظاهرة التي انتشرت بكثرة في مجتمعنا السوداني، ولابد من تكثيف الجهود لنشر التوعية عبر منابر خطب الجمعة وغيرها لاسيما أن الخطب أصبحت سياسية بحتة تتحدث عن الجنجويد وأفعالها متناسية القضايا الاجتماعية، وأيضاً دور المجتمع والإعلام، والأطفال فاقدي السند سلاح ذو حدين ويجب محاربته وعدم السكوت عن هذا الجرم.
حدثناً عن مبادرتك للأطراف الصناعية لمن فقدوا أطرافهم في حرب الكرامة؟
بحكم عملي وخبرتي في العمل التطوعي، تواصلت معي منظمة محلية، بخصوص تركيب الأطراف، وطلبوا مني حصر المحتاجين الذين يتم بتر أطرافهم نتيجة القذف في العمليات العسكرية وبالفعل قمت بحصر عدد (70)حالة من العدد المطلوب مني، وكانت الحالات وللأسف بالآلاف، وبعدها فكرت أن تستمر المبادرة بواسطة فاعلي الخير ليقوموا بدفع التكاليف عبر تلك المنظمة.





