تشهد تدهوراً أمنياً متسارعاً
مناطق حواضن المليشيا.. فوضى وتصدعات
تحالفات تتآكل.. جغرافيا الولاء تتحول إلى بؤر دم
مقتل “فاطمة أسوسا” يهزُّ منطقة الحمادي..مطالب بفضَّ التحالف مع المليشيا
قور: الإدارات الأهلية ساهمت في الفوضى وإشعال الفتنة
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تشهد مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع في إقليم كردفان تدهوراً أمنياً متسارعاً، امتدت تداعياته إلى داخل الحواضن الاجتماعية التي كانت تُعدُّ حتى وقت قريب سنداً رئيساً لها، وبعد مرور أسبوع على حادثة مقتل فاطمة محمد حماد أسوسة، كريمة ناظر عموم قبائل الحوازمة وشقيقة الناظر الحالي، ما تزال أصداء الجريمة تلقي بظلال كثيفة على المشهد، كاشفة عن تصعيد خطير ومؤشرات مقلقة على انزلاق الأوضاع نحو صراعات ذات طابع عرقي تستهدف مكونات البقارة في المنطقة.
تفاصيل الجريمة
في تصعيد خطير يعكس نهجاً مقلقاً من الاستهداف العرقي، هزت مدينة الحمادي بولاية جنوب كردفان جريمة اغتيال بشعة راحت ضحيتها فاطمة محمد حماد أسوسا، ابنة ناظر عموم قبائل الحوازمة، وذلك إثر إطلاق نار مباشر من عناصر تنتمي إلى ميليشيا الدعم السريع من قبيلة الرزيقات، ووقعت الجريمة ظهر الأحد الماضي 27 أبريل 2026م، حيث اغتيلت الضحية بدم بارد، في حادثة صادمة للرأي العام المحلي، وتُعد فاطمة من أبرز الرموز النسائية في المنطقة، وتنحدر من أسرة ذات ثقل تاريخي واجتماعي، فهي حفيدة الناظر المعروف حماد أسوسا، أحد أبرز رموز الإدارة الأهلية في السودان، وتأتي هذه الحادثة بعد أشهر قليلة فقط من جريمة أخرى استهدفت الأسرة ذاتها، حين قُتل زوجها الطبيب المعروف الدكتور عبد الباقي داخل منزله وأمام أسرته، ما يعزز فرضية وجود مخطط ممنهج لتصفية الكفاءات والرموز الاجتماعية المؤثرة داخل القبيلة، ووجّهت أوساط شعبية في منطقة الحمادي انتقادات حادة لأبناء الحوازمة المنخرطين في صفوف ميليشيا الدعم السريع، مستنكرة صمتهم تجاه الانتهاكات التي تطال نساء ورموز قبيلتهم، ووصفت استمرار مشاركتهم داخل زمنظومة الميليشيا بوصمة عار تتنافى مع القيم المجتمعية الراسخة.
دلالات الاستهداف
ووفقاً لمرقبين، فإن استهداف أسرة الناظر حماد أسوسا، يحمل دلالات عميقة تتجاوز البعد الجنائي إلى أبعاد سياسية واجتماعية خطيرة، ذلك أن الناظر أسوسا يمثل رمزاً تاريخياً وثقلاً أهلياً متجذراً، واستهداف أسرته يُعد رسالة مباشرة لقيادات الإدارة الأهلية في الإقليم، مفادها أن التحالفات القائمة لم تعد توفر الحماية حتى لأقرب الحلفاء، كما يكشف الحادث عن تآكل الثقة داخل الحواضن الاجتماعية للدعم السريع، ويفتح الباب واسعاً أمام مراجعات حادة لمواقف الإدارات الأهلية التي انحازت منذ بداية الحرب، في ظل شعور متزايد بأن هذه التحالفات باتت تهدد وجودها الاجتماعي والأمني.
حواضن مأزومة
وتمثل مناطق مثل الحمادي والدبيبات في جنوب كردفان، إلى جانب مدن الفولة والمجلد وبابنوسة والميرم في غرب كردفان، حواضن اجتماعية رئيسية لمليشيا الدعم السريع، حيث انحازت الإدارات الأهلية في هذه المناطق مبكراً لصالح المليشيا، وسط تقارير عن مبايعات لقيادتها، غير أن هذه المناطق، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، باتت هذه الحواضن تعيش حالة من الفوضى الأمنية والانفلات، مع تزايد الانتهاكات وتراجع مظاهر الاستقرار، وفي المقابل، بدأت أصوات داخل هذه المجتمعات تطالب بضرورة فك الارتباط مع الميليشيا، وتحميل القيادات الأهلية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبرة أن حادثة اغتيال فاطمة أسوسا ليست سوى نموذج لسلسلة طويلة من الانتهاكات.
إضعاف مكونات
ويرى الباحث والناشط الاجتماعي المهندس أحمد سليمان قور أن ما يجري في بعض مناطق كردفان من جرائم وانتهاكات أمر متوقع في هذه المرحلة، وقال في إفادته للكرامة إن الهدف من وراء هذه الفوضى والانتهاكات يتمثل في إضعاف مكونات المسيرية والحوازمة تمهيداً للسيطرة الكاملة على المنطقة، وأكد قور أن بعض الإدارات الأهلية ساهمت في هذا الوضع عبر تمسكها بالتحالف مع الميليشيا، بل وتحول بعض أبنائها إلى أدوات تخدم هذا المشروع دون إدراك لمخاطره، معتبراً أن جريمة اغتيال فاطمة أسوسا تأتي ضمن سياق ممنهج لإشعال الفتنة القبلية، داعياً قبيلتي المسيرية والحوازمة إلى توخي الحذر، خاصة في ظل تعقيدات الصراع مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. تكشف حادثة اغتيال فاطمة أسوسا عن تحول نوعي في طبيعة الصراع داخل مناطق الحواضن الاجتماعية في كردفان، من تحالفات عسكرية إلى صراعات داخلية تهدد النسيج الاجتماعي ذاته، كما تعكس الحادثة تصاعد مؤشرات فقدان السيطرة داخل مناطق النفوذ، وتزايد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات قبلية مفتوحة، وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة لمراجعة شاملة من قبل القيادات الأهلية لمواقفها، والعمل على تجنيب مجتمعاتها مزيداً من الانهيار، قبل أن تتحوّل هذه المناطق إلى بؤر صراع دائم يصعب احتواؤه.






