موجهات لتنظيم الإنتاج وضبط العائدات «الذهب».. فزع حكومي

موجهات لتنظيم الإنتاج وضبط العائدات

«الذهب».. فزع حكومي

تعزيز التنسيق مع المالية والمركزي.. تحفيز المنتجين

تصدير الذهب يعظم الإيرادات.. تخفيض العجز

توفير أسعار شراء حكومية محفزة.. نجاح السياسات

تقرير: محمد جمال قندول

أصدرت الحكومة موجهات لتنظيم وترتيب عائدات الذهب، وذلك خلال اجتماع فريق العمل المختص برئاسة وزير المالية أمس الأول الخميس.
ويعد الذهب المورد الأول للدولة خلال السنوات الأخيرة، غير أن شكاوى عدم تنظيم هذا القطاع وتمدد التهريب ألقت بظلال سالبةٍ على المشهد الاقتصادي.

تشريعات
وأصدر وزير المالية – خلال ترؤسه الاجتماع الموسع للفريق بالخرطوم – عدداً من الموجهات لتنظيم إنتاج وتجارة وصادر الذهب؛ شملت تعزيز التنسيق بين الوزارة وبنك السودان المركزي وجهات الاختصاص لتحديد أسعار شراء حكومية محفزة للمنتجين بأفضل من الأسعار العالمية.
وتم التأكيد على رهن تخزين الذهب بالحصول على مستند من وزارة المعادن ومنع بيع المخزون إلا بإشراف الوزارة، ومنع الصادر خارج القنوات الرسمية، وتشديد ضبط الاستيراد بالإجراءات المصرفية.
وشدّدت الموجهات على ضبط أسواق المعدنين وضبط استيراد وتخزين واستخدام المواد الكيميائية اللازمة للتعدين بما يتسق وحماية صحة البيئة وصحة المعدنين.
كما شملت الموجهات توفير التمويل الكافي والضمانات المطلوبة لعمليات الشراء، وتسريع إجازة تعديلات التشريعات القومية المنظمة لإنتاج وتسويق الذهب، وتنظيم الأسواق في سوق نموذجي مع ضرورة استمرار وزارة المعادن في الإحاطة بالإنتاج.
وتم التأكيد على تطبيق ضوابط تجارة الحدود وتقنينها بتشريعات وقرارات حكومية ملزمة، مع إحكام التنسيق مع الولايات المعنية لتنفيذ ذلك، وتم الاتفاق على الحسم في تنفيذ خطة مكافحة التهريب وضبط المعابر، وتوفير المعينات اللازمة لأجهزة المكافحة والقوى المشتركة.
وأصدر فريق العمل المختص بتنفيذ موجهات مجلس الوزراء بشأن مورد الذهب، برئاسة د. جبريل إبراهيم وزير المالية، حزمة موجهات لتعظيم عائدات تجارة وصادر الذهب، وضبط وتنظيم التعدين التقليدي، عقب اطلاعه على رؤية استراتيجية قدمها وزير المعادن نور الدائم طه لتنظيم وتقويم التعدين التقليدي والإحاطة بالمنتج من الذهب وتنظيم سوق التعدين في المواقع المختلفة.
زيادة الناتج القومي
ويرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي أنه لتحقيق نتائج ملموسة للموجهات لا بد من تعظيم عمل قطاع تعدين الذهب حتى يسهم في زيادة الناتج القومي في الاقتصاد، كما يسهم نشاط تعدين الذهب في تخفيف حدة الفقر، وتقليل معدلات البطالة.
وأضاف فتحي بأن تصدير الذهب يؤدي إلى تعظيم الإيرادات العامة للدولة ويسهم في إنعاش كثير من المؤسسات المالية، وقد ساهم في تخفيض العجز في الميزان التجاري، كما ساهم في تحقيق جزء كبير من استقرار سعر الصرف مما يساعد على استقرار العملة المحلية ويدعم خزينة الدولة.
وأضاف فتحي أن التعدين التقليدي للذهب أصبح مصدر دخل بديلًا لبعض الأفراد وحول عددًا كبيرًا من الفقراء وانتشلهم من دائرة الفقر إلى الإنتاج، وبالتالي يؤدي النمو الاقتصادي إلى الحد من الفقر.
تابع فتحي، وصل عدد الذين يعملون في قطاع التعدين التقليدي لأكثر من خمسة ملايين معدن، إضافة إلى بعض النشاطات المصاحبة لصناعة التعدين، وتوفر الشركات المحلية والعالمية قدرًا من الوظائف لعدد من خريجي الجيولوجيا والفنيين والإداريين والعمال، وساعدت بصورة مباشرة في نشر ثقافة العمل الحر.
ويرى د. هيثم بأن القرارات الأخيرة جاءت في تقديري للاستفادة من هذا القطاع لما يمثله من أهمية قصوى في دعم الاقتصاد السوداني من خلال تعظيم الإيرادات العامة وزيادة حصيلة النقد الأجنبي، خاصة في هذه المرحلة المفصلية التي بدأت منذ حرب أبريل 2023 وبدأت الحكومة بهذه الخطوات نحو إنشاء سوق منظمة للذهب، وفتح بورصة للذهب وإنشاء مصافٍ في المدن الكبرى للحد من التهريب وزيادة الشفافية في القطاع.
بالإضافة إلى ذلك، يُتوقع أن يؤدي التحول من التعدين التقليدي إلى التعدين المنظم والمميكن إلى تحسين الكفاءة وتقليل التأثير البيئي.
الإعمار
ويقول الخبير الاقتصادي د. أسامة عبد الرحيم إنّ الموجهات التي أصدرها فريق العمل الحكومي المختص بتنظيم قطاع الذهب، برئاسة وزير المالية، تمثل خطوة مهمة في اتجاه معالجة واحدة من أعقد القضايا الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد السوداني خلال السنوات الماضية، وهي قضية فقدان السيطرة على مورد الذهب، وما ترتب على ذلك من اتساع دائرة التهريب، وفقدان جزء كبير من العائدات التي كان يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني واستقرار سعر الصرف وتمويل احتياجات الدولة.
ويضيف عبد الرحيم بأن الذهب لم يعد مجرد مورد تعدين تقليدي، بل أصبح موردًا سياديًا واستراتيجيًا يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الاقتصادي والنقدي للدولة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما خلفته الحرب من ضغوط كبيرة على الموارد العامة، وتراجع في الإيرادات، وتحديات مرتبطة بالنقد الأجنبي والاستيراد وتمويل الخدمات الأساسية، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على بناء منظومة متكاملة تبدأ من الإحاطة الحقيقية بالإنتاج، وتمر بتنظيم التعدين التقليدي والأسواق ومنافذ التداول، وتنتهي بإحكام الرقابة على الصادر والمعابر والحدود، فالمشكلة لم تكن يوماً في ضعف الإنتاج، بقدر ما كانت في ضعف السيطرة على حركة الذهب بعد استخراجه، ووجود شبكات تهريب وسوق موازية تستنزف الاقتصاد الوطني وتحرم الدولة من الاستفادة الفعلية من مواردها.
وبحسب محدّثي فإنّ الحديث عن توفير أسعار شراء حكومية محفزة تفوق الأسعار العالمية يحمل دلالة مهمة؛ لأنه يعكس إدراك الدولة لحقيقة أن محاربة التهريب لا تتم فقط عبر الإجراءات الأمنية، وإنما أيضًا عبر بناء حوافز اقتصادية حقيقية تجعل المنتج والمُعدن يفضل البيع عبر القنوات الرسمية، فالسوق بطبيعته يتحرك نحو الجهة الأسرع والأضمن والأكثر ربحية. وبالتالي، فإن نجاح السياسات الجديدة يتطلب توفير السيولة، وسرعة الإجراءات، والثقة في مؤسسات الشراء الحكومية.
وأضاف د. أسامة بأن النقاط المهمة كذلك، التركيز على تنظيم استخدام المواد الكيميائية المرتبطة بالتعدين التقليدي، لما لذلك من ارتباط مباشر بصحة الإنسان وسلامة البيئة، فالكثير من مناطق التعدين شهدت خلال السنوات الماضية آثاراً بيئية وصحية خطيرة نتيجة الاستخدام غير المنظم لبعض المواد عالية الخطورة، وهو ما يجعل تنظيم هذا الجانب ضرورة وطنية وليست مجرد مسألة إدارية، كما أن الاتجاه نحو إنشاء أسواق نموذجية للتعدين وتقنين تجارة الحدود، يمثل خطوة ضرورية لتحويل النشاط التعديني من حالة الفوضى والعشوائية إلى قطاع اقتصادي منظم يمكن متابعته وقياس أثره وربطه بالنظام المصرفي والاقتصاد الرسمي للدولة.
ولكن الخبير الاقتصادي د. أسامة عبد الرحيم أشار إلى أن التحدي الحقيقي سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تنفيذ هذه الموجهات على أرض الواقع، وبمستوى التنسيق بين الأجهزة المالية والأمنية والتنفيذية والولايات المعنية؛ لأن التجارب السابقة أثبتت أن إصدار القرارات وحده لا يكفي ما لم تصاحبه إرادة تنفيذ قوية، ورقابة فعالة، ومعالجة حقيقية لمنافذ التهريب وشبكات المصالح المرتبطة بها.
وفي حال تم تنفيذ هذه الحزمة بصورة متماسكة وفعالة، فإن قطاع الذهب يمكن أن يتحول من موردٍ يُهدر جزء كبير من عائداته خارج المنظومة الرسمية، إلى أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي، وداعم رئيسي لمرحلة إعادة الإعمار والتنمية واستعادة عافية الاقتصاد السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top