الحكومة كوّنت لجنة للحصر توطئة للتقليص
العاملون بالدولة..مجزرة مرتقبة
توصية بفصل 60% من الموظفين..تساؤلات
الحفاظ على الكفاءات والإصلاح الوظيفي..تعقيدات
تغييب النقابات وتأثيرات البطالة..أزمة جديدة
نبيل أديب يطالب بإعادة التفكير ومراجعة القرار
تقرير: هبة محمود
ظل يستمع بإنصات قبل أن يعلّق مجيباً على ما طرحته عليه من تساؤل بشأن قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة فنية لدراسة أوضاع وحصر العاملين بالحكومة الإتحادية توطئة لتقليص أعدادهم!!.
لبرهة بدا لي أن عبد اللطيف الخير، الرجل الذي يقف على أعتاب الستين ، كأنما يسترجع ذكرياته وهو يخطو أولى خطواته في الخدمة المدنية متنقّلاً بين اقسام الوظيفة التي اختارها عن حب، قبل أن بجيبني متسائلاً: ” ما الذي سيحدث بعد أن يتم التخلّص من العدد الزائد للموظفين؟ وما مصير الذين سيتم التخلص منهم؟
لقد إعتبر عبد اللطيف خلال حديثه لـ “الكرامة” أن القرار يمثل إجحافاً وظلما كبيراً للموظفين والعاملين في ظل الظروف التي تواجهها الدولة، متستفسراً عما إذا كان تخفيض عدد الموظفين الذين يتقاضون رواتب غير مجزية بحد تعبيره، من شأنه أن يسهم في خفض الإنفاق الحكومي للدولة؟!.
ولفت إلى إن الإنفاق الحكومي يتم تقليصه من خلال وقف السفريات والنثريات لكبار الموظفين والمسؤولين والوزراء، وليس من خلال الموظفين والعمال البسطاء، الذين ينتظرون هذه الرواتب على قلتها بفارغ الصبر وفق قوله.
وشدّد في الأثناء على أن القرار يعتبر تنصّلاً من المسؤولية، مؤكداً أن قطاع الخدمة المدنية بحاجة للإصلاح والتدريب وتأهيل الموظفين ومحاربة الفساد بدلا عن تسريحهم.
واختتم حديثه متسائلاً: وفق أي معايير ستتم عملية التخفيض، وماذا عن المحسوبية في عمليات الإحلال والأبدال؟.
قرار غير مدروس
على منوال عبد اللطيف الخير، يعتبر مراقبون أن قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة فنية لدراسة أوضاع وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية، توطئة لتقليصهم، غير موفق وغير مدروس في ظل التحديات التي تواجه هذه الشريحة، وعلى رأسها التحديات الإقتصادية.
ويتساءل كثيرون عن التداعيات والتوقيت لهذه الخطوة، وعدم الإتجاه إلى وسائل معالجة أخرى، بدلا من التضحية بالعاملين.
ويعتقد خبراء إن قطاع الخدمة المدنية في السودان يواجه أزمات المحسوبية وضعف الكفاءة والتدريب، وعدم وجود معايير واضحة للتوظيف والترقية بالإضافة إلى هجرة الكفاءات، ما يحتّم على الدولة دراسة ومراجعة كل ذلك وليس الإتجاه لخيار التقليص.
وعلى الرغم من أن قرار التخفيض يهدف إلى تقليل الترهّل الوظيفي وتخفيض الصرف الحكومي والإتجاه لتحسين الأجور وتجويد الأداء وزيادة فرص التدريب، إلا أن اللجنة نفسها وفق مراقبين مخاوفها من تاثيرات القرار على فقدان الكوادر المؤهلة مع عدم قدرة وزارة المالية توفير موارد لتنفيذ القرار.
تفاصيل
ووفق معلومات أوردها الخبير السياسي د. إبراهيم الصديق فإن اللجنة الفنية لدراسة العاملين وحصرهم بالحكومة الاتحادية، خلصت إلى التوصية بمنح المعاش المبكر لأكثر من 57 ألف عامل (من الدرجة الأولى الخاصة إلى الدرجة 15 عمالية) بنسبة تصل إلى 60% من جملة العاملين بالحكومة الاتحادية (25% بالمعاش المبكّر و 35 % إلغاء الوظيفة) ..
وفاقت تكاليف الامتيازات الممنوحة أكثر من 345 مليار جنيه سوداني..
وقال إن اللجنة اقترحت امتيازات للمعاش المبكر ، تشمل ( صرف مرتب 5 سنوات للأعمار ما بين 50 إلى 55 عاماً وتدرجت حتى صرف العام الأخير كاملاً مقدماً)..
ووضعت اللجنة معايير محدودة تتمثّل في بلوغ سن الخمسين عاماً والخدمة لمدة 20 عاماً.
تخفيض مضر
ومن ناحية قانونية أكد الخبير القانوني نبيل أديب إن الجهاز التنفيذي يحق له مراجعة أداء الخدمة المدنية وتخفيص الترهّل الوظيفي، طالما أن هناك تعويض للمتضررين، لكن السؤال حول مصلحة القرار في التوقيت الحالي.
ويرى أديب في إفادته لـ” الكرامة” ضرورة مراجعة القرار من قبل أجهزة الدولة وإعادة التفكير فيه، متسائلاً هم مصير الذين سيتم تسريحهم.
وأضاف: الناس ديل ما حيلقوا وظائف هل القطاع الخاص سيقوم بتوظيفهم؟!.
وطالب الحكومة بضرورة الصبر والتروي مؤكداً أن تخفيض
العمالة الحكومية أمر مضر بالناس.
وتابع: في الحروب على الحكومة أن تتحمّل ولا تقدم على هذه الخطوة، فهي من جهة تساعد الشعب، ومن جهة ثانية البلاد بحاجة للعمالة حتى يتم الإنتاج.
تنفيذ
وتشمل عدد الهيئات التي يسعى التقرير إلى تخفيض العاملين فيها، (11 هيئة) ذات خصوصية لأهمية دورها، تتمثل في (الإذاعة والتلفزيون وهيئة البث والطيران المدني وسودانير والسكة حديد والطرق والجسور والامدادات الطبية والمصادقة الالكترونية واسواق المال) .
وبحسب الخبير السياسي إبراهيم الصديق فانه لم يتم مشاورة النقابات أو مجتمع العاملين على أي مستوى، لافتاً إلى أن هذه القضية ذات مساس واسع الطيف بالعملية الإدارية والإنتاجية، لا يمكن أن تنفرد بها لجنة مصغّرة لكتابة تقرير يفتقر للكثير ..
وشدّد على أنه في الاطار المؤسسي، فإن أي معالجات كهذه تأتي ضمن نسق اصلاح اداري شامل بتفاصيل دقيقة ومنهجية ومن خلال خبراء باطلاع واسع عن تداعيات مثل هذه القرارات الكبيرة والمؤثرة في البنية المجتمعية..
ولفت إلى أن القرار لم يناقش – اطلاقاً- على أي مستوى كيفية الحفاظ على الكفاءات النادرة ، والخبرات المكتسبة ، واصبح متاحاً للجميع مغادرة الدواوين الحكومية لأن مجموعة من التكنوقراط أرادوا تنفيذ قرار (سعادة رئيس الوزراء).
مهام
وأمس الأول أصدر مجلس الوزراء الاتحادي، قراراً بتشكيل لجنة فنية لدراسة أوضاع وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية، وذلك بناءًا على توجيهات رئيس الوزراء في الجلسة رقم (4) بتاريخ 16 أبريل 2026
وجاء القرار الصادر من وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، قراراً وزارياً بالرقم (22) في التاسع والعشرين من أبريل الماضي بتشكيل لجنة لحصر العاملين في الحكومة الاتحادية، برئاسة وزير الدولة بوزارة المالية، المستشار محمد نور الدائم.
وتشمل مهام اللجنة حصر العاملين بالحكومة الاتحادية، وحصر العاملين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، ووضع تصوّر لتقليص عدد العاملين، ورفع توصية بكيفية تخفيضهم. كما تشمل سلطات اللجنة الاطلاع على كافة المعلومات والبيانات.






