تجاوب تركي لإعادة التأهيل.. واستمرار الربط المصري «الكُهرباء».. معركة التعافي

تجاوب تركي لإعادة التأهيل.. واستمرار الربط المصري

«الكُهرباء».. معركة التعافي

ارتفاع تكلفة تشغيل التوليد الحراري.. أزمة الوقود

إزالة جمارك مدخلات الطاقة الشمسية.. تشجيع المواطنين

مواجهة تحديات القطاع .. أهمية الشراكات الخارجية

تقرير: محمد جمال قندول

تشهد العاصمة الخرطوم وولايات السودان المختلفة موجات عودة كبيرة ومنتظمة، وهو ما يتطلّب مضاعفة الجهود الحكومية. ويبقى ملفي الكهرباء والمياه من أهم المحاور التي يرتكز عليها تحفيز وتشجيع المواطنين على العودة.
وفي السياق، قدّم وزير الطاقة المعتصم إبراهيم علي، أمس استعراضاً لشواغل المواطنين والتحديات الماثلة، وذلك خلال معايدة قطاع الكهرباء ببحري.
إعادة البناء
وقال وزير الطاقة والنفط، إنّ القطاع يواصل البناء لتمديد الكهرباء للقطاعات السكنية والصناعية والزراعية، داعياً المواطنين إلى وقف المخالفات والتعدي على الشبكة، مشيراً إلى وجود بعض المناطق التي لا تسدد قيمة الاستهلاك.
وأضاف أن القطاع الحراري يحتاج إلى الوقود الذي ارتفعت تكلفته بسبب الأوضاع في الشرق الأوسط والحرب الإيرانية، مهنئاً بتشغيل محطة قري (1) الحرارية، والعمل الجاري في محطة أم دباكر رغم التحديات والمصاعب، منوهًا إلى أن الاستثمارات الكبيرة تنتظر الاستقرار الكامل للأوضاع.
وأشاد الوزير بالتجاوب التركي مع خطط دعم وإعادة تأهيل القطاع، مشيراً إلى التزام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف مع السودان في عمليات إعادة تأهيل القطاع، وذلك خلال اجتماعات اللجنة الوزارية الأخيرة. كما ثمّن التعاون المصري واستمرار الربط الكهربائي رغم الديون، مؤكداً الالتزام بسدادها وزيادة الربط مستقبلاً، فيما أوضح أن الوزارة تعمل على معالجة ديون القطاع بالتعاون مع مؤسسات وطنية شريكة.
وفي ملف الطاقات المتجددة، قال إنّ الدولة أزالت الجمارك عن مدخلات الطاقة الشمسية، وتشجع المواطنين على الاستفادة من التمويل الميسر، خاصة للمشاريع الزراعية. وأعلن إجازة قانون الكهرباء مؤخراً بما يتيح تطوير القطاع. ولفت إلى أن تعرفة الكهرباء شهدت زيادة تم التراجع عنها لاحقاً مراعاةً لظروف المواطنين، مؤكداً أن القطاع يحتاج إلى موارد لتغطية تكاليف التشغيل.
وأشار الوزير إلى التزام الوزارة بتحسين أجور منسوبي القطاع وبيئة العمل، والعمل على توفير العدادات. ونوه إلى الاعتماد على التوليد المائي الذي يوفر طاقة محدودة، مع سعي الوزارة إلى زيادة سعته وكفاءته عبر خطط مدروسة، إضافة إلى بعض الشراكات الخارجية.
وشدّد الوزير على أن قطاع التوزيع هو واجهة القطاع أمام الجمهور، وأن عودة المواطنين تفرض إعادة توزيع المحولات حسب الكثافة السكانية، داعياً إلى تمليك الجمهور المعلومات الصحيحة لمحاربة التفكير الخاطئ.
وأكد المعتصم، أن قطاع الكهرباء لا يزال يعمل على التعافي من تحديات الحرب، وأن عودة التيار إلى طبيعته تتطلب تدرجاً ووقتاً، رغم التحسن الحالي، مشدداً على أن البلاد تمر بظروف استثنائية، وتوقعات المواطنين عالية.
واقعية
يقول الخبير الاقتصادي د. أسامة محمد عبد الرحيم إنّ ما طرحه السيد وزير الطاقة والنفط حول أوضاع قطاع الكهرباء يعبر عن قدر من الواقعية المطلوبة في توصيف المشهد، فالسودان لا يواجه اليوم أزمة كهرباء بالمعنى الفني الضيق، وإنما يواجه تحديات قطاع استراتيجي تأثر بصورة مباشرة بالحرب وما خلفته من أضرار واسعة على منشآت التوليد وخطوط النقل ومحطات التحويل وشبكات التوزيع، إلى جانب الضغوط المالية والتشغيلية المعروفة.
وأضاف الخبير الاقتصادي أسامة أنه من الطبيعي في مثل هذه الظروف ألا تعود الإمدادات الكهربائية إلى وضعها المثالي دفعة واحدة، مؤكدًا أن تعافي القطاعات الحيوية لا يتم بالقرارات أو التمنيات وحدها، وإنما عبر مراحل متدرجة تتداخل فيها الجوانب الفنية والاقتصادية والأمنية والإدارية.
يكمل: ولذلك فإنّ الحديث عن تحسن تدريجي وزيادة في السعات المتاحة يظل مؤشراً إيجابياً، لكنه في الوقت نفسه يضع على عاتق الجهات المختصة مسؤولية المحافظة على وتيرة العمل ورفع مستوى التواصل مع المواطنين بشأن الحقائق والتحديات القائمة.
وتكتسب تصريحات الوزير أهمية خاصة لأنها تتناول قطاعاً لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد خدمة عامة مرتبطة بالإنارة المنزلية أو الاستخدامات اليومية، وإنما كأحد أعمدة الأمن الاقتصادي والاجتماعي وإعادة الإعمار. فالكهرباء، حسب رؤية د. أسامة، ترتبط بصورة مباشرة بعودة الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وتشغيل المستشفيات ومرافق المياه والتعليم والاتصالات، كما ترتبط بثقة المستثمرين وتهيئة البيئة المناسبة لاستعادة النشاط الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي هذا الإطار يقول الخبير أسامة تبدو الإشارات المتعلقة بتشغيل محطة قري (1) الحرارية ومواصلة العمل في محطة أم دباكر ذات دلالة مهمة، لأنها تعكس سعياً لاستعادة جزء من القدرات المفقودة وزيادة الاعتماد على التوليد المحلي، رغم التعقيدات المرتبطة بالوقود وارتفاع تكلفته إقليمياً ودولياً. أضاف، فالقطاع الحراري، مهما ارتفعت تكاليف تشغيله، يظل جزءاً مهماً من مزيج الطاقة الوطني، خاصة في فترات انخفاض الإمداد المائي أو تزايد الطلب على الكهرباء.
كما أن الإشادة بالتعاون التركي واستمرار الربط الكهربائي مع مصر رغم التعقيدات المالية تعكس أهمية الشراكات الخارجية في هذه المرحلة الدقيقة. غير أن قيمة هذه الشراكات لا تقاس فقط بحجم الدعم أو التمويل، وإنما بقدرتها على الاندماج داخل رؤية وطنية واضحة لإعادة بناء القطاع، تقوم على نقل المعرفة، وتأهيل البنية التحتية، ورفع الكفاءة، وتعزيز استقلال القرار الفني والاستثماري.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها كذلك وفق ما قال الخبير الاقتصادي د. أسامة، ما أشار إليه الوزير بشأن الطاقات المتجددة وإزالة الجمارك عن مدخلات الطاقة الشمسية. فهذه الخطوة تحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز المعالجة المؤقتة لأزمة الإمداد، إذ إنّ السودان يمتلك فرصاً كبيرة في مجال الطاقة الشمسية والبدائل النظيفة، خاصة في المناطق الزراعية والريفية والمشروعات الإنتاجية البعيدة عن الشبكة القومية. تابع: قد يكون التمويل الميسر وتشجيع الاستخدام المنتج للطاقة الشمسية أحد المسارات المهمة لتخفيف الضغط على الشبكة التقليدية وتعزيز أمن الطاقة مستقبلاً.
وفي المقابل، فإن نجاح خطط التعافي لا يعتمد على الدولة وحدها، وإنما يتطلب أيضاً شراكة مجتمعية أكثر وعياً ومسؤولية، فالتعديات على الشبكات، والفاقد الفني والتجاري، وضعف ثقافة السداد، كلها عوامل تستنزف القطاع وتحد من قدرته على التوسع والاستدامة. غير أن معالجة هذه القضايا تصبح أكثر فاعلية كلما ارتبطت بتحسين الخدمة، والعدالة في التوزيع، وتمليك المواطنين المعلومات الصحيحة بشأن أوضاع القطاع وخططه المستقبلية.
ولعل من الإشارات المهمة كذلك ما يتعلق بإجازة قانون الكهرباء، باعتباره خطوة مؤسسية قد تفتح المجال لتطوير البيئة التنظيمية والاستثمارية للقطاع، إذا ما أُحسن تطبيقه وربطه بسياسات طويلة المدى تعالج مسألة التمويل والحوكمة والتخطيط الاستراتيجي.
وختم محدّثي قائلاً: في تقديري، فإنّ قطاع الكهرباء يخوض اليوم معركة تعافٍ حقيقية لا تقل أهمية ًعن معارك استعادة الخدمات والبنية الأساسية بعد الحرب، فالتحدي لا يكمن فقط في إعادة التيار أو زيادة ساعات الإمداد، وإنما في تحويل الأزمة الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء قطاع أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، قادر على دعم إعادة الإعمار ومواكبة احتياجات السودان التنموية خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top