حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“إنه الاقتصاد يا….. ”
(1)
الحرب التي يخوضها السودان حرب شاملة ..تغطّي كل الميادين وكل الجبهات ..الميدان العسكري على سطوته ليس الميدان الوحيد ..هناك الجبهة الاقتصادية والجبهة الاجتماعية والجبهة الدبلوماسية والجبهة الثقافية…لاتنسى الجبهات الناعمة مثل الفنون والرياضة وكل الذي منه …كلها متداخلة فالعلاقة بينها جدلية (ديالتيكية) بمعنى لايمكن فصل ميدان عن الآخر فصلاً تاماً …الاقتصادي يؤثر على العسكري، والعسكري يؤثر على الدبلوماسي والدبلوماسي يؤثر على الثقافي ويمكن أن تعكس الدائرة لتصل إلى نفس النتيجة …ومع ذلك فإنه يمكن أن تبرز أحد الميادين وتتناوله على انفراد أي تسلّط الضوء عليه منفرداً مستصحباً في عقلك تأثيره على الميادين الأخرى وذلك لتقريب الفهم…الفرز هنا فرز اجرائي فقط …ففي الموسيقى العزف المنفرد أي الصولو لا يلغي بقية المعازف وإن سكتت له مؤقتاً فهو مبنياً عليها .
(2)
الجبهة الاقتصادية من الجبهات الضعيفة والمهزوزة جداً في معركة السودان الحالية …ليس لقوة الخصم ولا لضعف السودان القديم المتجدّد فيها …فالسودان بلد غني بالموارد لكنه فقير في إدارتها …فإن كان الإجراء على المحتوى … فهزيمة السودان الاقتصادية البادية الآن سببها الطابور الخامس الذين يعين الأعداء عليه والذي يعمل بهمة ونشاط وعلانية …فتجار الأزمات ينشطون في أوقات الحرب …سوء الإدارة بقصد أو غير قصد ينخر في الجبهة الاقتصادية نخراً ..أما الفساد فهو الآلة الضخمة التي تنحر في الجبهة الاقتصادية وتقدم للاعداء ما لم يجدوه في ميدان الحرب …يفترض أن تكون الجبهة الاقتصادية هي العضد والسند الأول للجبهة القتالية فإذا ما انفرط العقد فيها …لا سمح الله …فإن الجبهة القتالية سوف تتضعضع ..فكيف يمكن لحامل سلاح أن يقاتل وأهل بيته لايجدون ما يقيم أودهم …كيف يمكن لمقاتل أن يقاتل وأطفاله محرومون من دخول المدرسة …إذا حدث وباء وصعب احتواءه ..سوف ينعكس على جبهة القتال ..إذا تفشّت مجاعة فكيف تقف جبهة القتال على رجليها …الصيحة المحببة في أوقات الحروب (أرموا قدام ورا مؤمن) تعني أن الدولة سوف تقوم بكل ما يطلبه المقاتل في الميدان لأهله …أي ستقوم بكل ما يستلزمه الاستخلاف ….والإشارة للجبهة الداخلية …وهنا يبرز الاقتصاد كخط دفاع أول …لا بل خط هجوم متقدّم ..
(3)
لا نحتاج لكثير شواهد لإثبات أن الجبهة الاقتصادية واقعها مؤسف ومتردي للغاية ليس لضعف الموارد بل لسوء إدارتها كما ذكرنا أعلاه … كمظاهر لضعف وتفكّك الجبهة الاقتصادية ويكفي أن نشير هنا الى تدني قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار والعملات الصعبة الأخرى …لقد وصل المسكين الي درجات من الانخفاض جعلته في وزن الريشة لايعبأ به حامله كثيراً …بل يريد التخلص منه بأسرع فرصة فزاد الطلب على العملة الصعبة وزاد الطلب على السلع وازدادت بالتالي سرعة انخفاض العملة إنها الدائرة المرزولة التي دخلت فيها العملة السودانية حيث لاينفع تغيير أو تقتير فيها …إنما المطلوب الآن زيادة احتياطي الدولة من العملة …لكن كيف السبيل إلى ذلك و(الجماعة قاعدين )؟ …حاميها …(وأنا ما بفسر وانت ما …..انظر إلى أسعار النفط في البلاد وقارنها بتلك الموجودة في بلاد أخرى نفطية وغير نفطية …فماذا ستقول غير أنها سيطرة الفساد الإداري والمالي ..هل يعقل ان يكون ربج السفينة الواحدة من النفط بضعة ملايين من الدولارات ؟
إن انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار المحروقات يقومان الآن بدور البلدوزر الذي يهدم كل البنيات وكل القدرات الاقتصادية في البلاد …سوف يحطّمان كل القطاعات الاقتصادية المنتجة …فأول وأخطر قطاع قابل للتاثر هو القطاع الزراعي ..ثم القطاع الصناعي ثم قطاع النقل وقطاع الخدمات …القطاع الزراعي هو القطاع الرائد وهو القاطرة التي تقود القطاعات الأخرى ..فإذا ما تحطم سوف تتحطّم بقية القطاعات وإذا ما تراجع سوف تتراجع بقية القطاعات وإذا ما أُصيب بنزلة برد سوف تعطس وتسيل أنوف بقية القطاعات ..فادركوا قطاع الزراعة ….والزراعة مواقيت ..فالان أو لا …أدركوا قطاع الزراع لكي لا تؤتى البلاد من جهة الاقتصاد ..وهذا هو موضوعنا ليوم الغد إن شاء الله.






