ماحدث في أديس أبابا كشف عمق أزمة القوى السياسية
مؤتمر الآلية الخماسية..انقسام حاد
الكتلة الديمقراطية بين المقاطعة والمشاركة..تخبّط
خلافات التمثيل هيمنت على المشاورات..إقصاء متبادل
“14” فصيلاً ينسحبون من الاجتماعات ..فشل عريض
خلط المسارات السياسية والأمنية ..تحفّظات
مراقبون: التشظي وسط النخب أكبر من إمكانية التوافق
تقرير: رحمة عبدالمنعم
ألقت الخلافات والانقسامات بين القوى السياسية السودانية بظلال كثيفة على الاجتماعات التشاورية التي دعت إليها الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو الجاري، حيث تحولت المشاورات التي كان يُفترض أن تمهد لتدشين عملية سياسية جديدة إلى ساحة لتبادل الانتقادات وإبراز التباينات بين المشاركين حول طبيعة الحوار وأجندته وأطرافه.
تصدّع
وكشفت اجتماعات الآلية الخماسية مبكراً عن تصدّع واضح داخل الكتلة الديمقراطية، بعد إعلان 14 من القوى السياسية والقيادات المنضوية تحت لوائها اعتذارها عن المشاركة، بينما مضت أطراف أخرى إلى الاجتماعات معلنة تمثيلها للكتلة.
وضمت قائمة القوى المعتذرة الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، وحركة العدل والمساواة، ومجلس البجا بقيادة الناظر محمد الأمين ترك، إلى جانب تجمع قوى تحرير السودان، وحركة تحرير السودان المجلس الانتقالي، ورئيس حركة تحرير السودان مصطفى تمبور، والتوم هجو، وموسى هلال، وعلي شاكوش، ونبيل أديب وآخرين.
وفي بيان حمل اسم الكتلة الديمقراطية، بررت القوى المعتذرة موقفها بأن الآلية الخماسية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة الإيقاد، مضت بصورة منفردة في تحديد مكان الاجتماعات وأطرافها وأجندتها ومراحلها الزمنية دون التوصل إلى تفاهمات مسبقة مع القوى السياسية السودانية.
وانتقد البيان ما وصفه بالخلط بين المسارين السياسي والأمني، معتبراً أن دعوة تحالف “تأسيس” للمشاركة في اجتماعات المسار السياسي تمثل انحرافاً عن الأسس التي يجب أن تقوم عليها العملية السياسية، وأنها تعكس تبنياً ضمنياً لرؤية مرتبطة بقوات الدعم السريع وحلفائها، الأمر الذي قالت القوى الرافضة إنه يقدح في حياد الآلية الخماسية.
تباينات
وفي المقابل، أصرت المجموعة المشاركة على أنها تمثل الكتلة الديمقراطية بصورة شرعية داخل الاجتماعات، وأبدت استغرابها مما وصفته بالتغييرات المفاجئة في مواقف بعض الأطراف خلال الساعات الـ72 السابقة لانطلاق المشاورات.
ورغم توقيع عدد من القوى السياسية والمدنية على رؤية مشتركة تدعو إلى إطلاق عملية سياسية عبر لجنة تحضيرية تقود إلى إنهاء الحرب، فإن قائمة الموقعين نفسها عكست حجم التباينات داخل الساحة السياسية، فقد ضمت الوثيقة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، والكتلة الديمقراطية – قوى الحرية والتغيير، وحزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، إلى جانب شخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.
ودعت الوثيقة إلى وقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية تؤدي إلى عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة الاجتماعية والمساواة والتنمية المتوازنة واحترام حقوق الإنسان ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب.
غير أن حالة الإجماع التي حاول البيان إظهارها سرعان ما تعرضت للاهتزاز، عندما أصدرت قوى الحراك الوطني والمؤتمر الشعبي ومنظمات مجتمع مدني وطنية مشاركة في الاجتماعات بياناً منفصلاً أكدت فيه أنها ليست جزءاً من أي مخرجات لا تعبر عن الإرادة الوطنية الحرة، مشددة على أنها دفعت برؤية مستقلة تقوم على حفظ وحدة السودان وسيادته واستقلال قراره الوطني وصون مؤسسات الدولة الوطنية.
وأبرزت هذه المواقف المتعارضة حجم الانقسام الذي رافق الاجتماعات، ليس فقط داخل الكتلة الديمقراطية، وإنما بين معظم القوى المشاركة نفسها، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى قدرة هذه المجموعات على تشكيل كتلة سياسية متماسكة أو التحدث باسم الشارع السوداني الذي يواجه تداعيات الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
خلافات التمثيل
ويرى مراقبون أن الأزمة الأساسية التي كشفتها اجتماعات أديس أبابا لا تتعلق فقط بالخلاف حول الإجراءات أو المشاركين، بل تتصل أيضاً بمسألة التمثيل السياسي، في ظل تراجع القواعد الجماهيرية للعديد من القوى المشاركة، وغياب تفويض شعبي مباشر يمكن أن يمنحها حق التحدث باسم السودانيين أو رسم ملامح مستقبلهم السياسي.
فشل عريض
وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إبراهيم الصديق أن ما جرى في أديس أبابا لم يكن مؤتمراً بالمعنى الحقيقي، وإنما مشاورات متفرقة بين مجموعات سياسية مختلفة، وقال إن الآلية الخماسية فشلت في جمع الأطراف حول برنامج موحد، وإن الانقسام شمل الكتلة الديمقراطية نفسها، فضلاً عن اعتراضات أخرى صدرت من مجموعات سياسية مختلفة على البيان الختامي ومخرجات الاجتماعات.
وأضاف أن الحديث عن توافق واسع واختيار عشرات الشخصيات لقيادة المرحلة المقبلة لا يعدو كونه أمنيات سياسية أكثر من كونه واقعاً فعلياً، في ظل استمرار الانقسامات الحادة بين المشاركين وغياب الإجماع الوطني حول العملية السياسية المطروحة.
استمرار التشظي
وبينما رفعت الاجتماعات شعار البحث عن السلام وإنهاء الحرب، فإن المشهد الذي انتهت إليه يعكس واقعاً سياسياً مختلفاً، عنوانه استمرار التشظي والانقسام بين القوى السياسية، وعجزها عن التوافق حتى على القضايا الإجرائية الأساسية، الأمر الذي يضعف من فرص نجاح أي مبادرة لا تنطلق من قاعدة وطنية واسعة وتحظى بقبول حقيقي داخل السودان.
ومع إسدال الستار على اجتماعات أديس أبابا، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة هذه المخرجات على الصمود أمام واقع الانقسام السياسي الذي كشفت عنه الاجتماعات نفسها، وحول إمكانية أن تفضي الجهود الخارجية إلى تسوية تحظى بقبول السودانيين في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إطلاق حوار سوداني خالص من داخل البلاد يعالج جذور الأزمة ويحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية.






