د.عبد اللطيف البوني يكتب: «سره في أضعف خلقه»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«سره في أضعف خلقه»

(1)
في مقالنا الأخير قلنا إن العدوان الجاري على السودان عدوان شامل لايستثني أي جبهة من الجبهات …ولكن ظهوره الأبرز والأوضح والأوجع كان على الجبهة العسكرية والاقتصادية ثم الدبلوماسية ..ثم إلى بقية الجبهات …وقد تناولنا مظاهر العدوان على الجبهة الاقتصادية والذي تمظهر في انخفاض أسعار العملة السودانية، وفي إرتفاع أسعار المحروقات مما أثّر على كافة مناحي الحياة ،ثم جاء نهم الدولة الجبائي ليزيد الطين بلة ،وقلنا إن أكثر القطاعات حيوية في السودان هو القطاع الزراعي، وذلك لأن السودان يمتلك فيه ميزات تفضيلية وأي نجاح من العدوان على هذا القطاع سوف يورد البلاد مورد التهلكة ..وذلك ببساطة لأن الزراعة هي القاطرة التي تقود القطاعات الأخرى الصناعة والنقل والخدمات ..

(2)
الآن في اليوم العلينا دة نحن في بداية يونيو ..وهذا يعني أن الرياح الجنوبية الممطرة قد وصلت مقدّماتها للسودان .. بعبارة أخرى إن موسم الأمطار قد بدأ في السودان ..والزراعة المطرية هي العمود الفقري للزراعة في السودان ….ما تشوفوا جقلبة المشاريع المروية دي ..هذه المشاريع وعلى رأسها كبير السحرة مشروع الجزيرة ثم تأتي بعده المشاريع الخمسة الأخرى وهي أصغر منه بكثير ..هذه المشاريع ليست هي التي تحمل السودان إنما الزراعة المطرية هي الشايلة السودان …لا لعيب في تلك المشاريع. إنما لعوامل أخرى متعلّقة بالسياسات الزراعية وسوء الإدارة وحاجات تانية حامياني …هذه المشاريع ومعها الزراعات الأهلية على ضفاف الأنهار تنفرد بالموسم الشتوي ..إذ أنه لا توجد زراعة شتوية مطرية في السودان اللهم إلا مساحات محدودة جداً على ساحل البحر الأحمر …إذن الزراعة المطرية في السودان كلها صيفية بالإضافة لزراعة في المشاريع المروية ،ولكن المطرية هي الأهم وهي المصدر للغذاء في السودان فإذا شحّت الأمطار لاسمح الله فإن نذر المجاعة تطل برأسها …وللمجاعات تاريخ تليد في السودان وهذه قصة أخرى سنعود إليها ….
(3)
الزراعة المطرية في السودان يمكن أن نميّز منها نوعين ..الأول النوع التقليدي وهو الأكثر انتشاراً في السودان ..وهو يقوم على ملكيات أو حيازات أرضية صغيرة تسمى “بلدات” أو “كمدوبات” مفردها “كمدوب” ..حيث يقوم المزارع ببذر البذرة مع بداية هطول الأمطار ثم ينتظر توالى هطول الأمطار إلى الحصاد مع عمليات فلاحية محدودة كإزالة بعض الحشائش وأحياناً توجيهات لمجاري الأمطار وفي معظم الأحيان لا يتدخل وليست هناك أي تقانات ولاحزم تقنية ..وهذه الزراعات قليلة العائد ..قد تقيم أود الأسرة الصغيرة وبعض حيواناته مع فوائض يسيرة يدخل بها المزارع السوق ولكن دخوله الأساسي يكون بالحيوان ..لذلك تسمى الزراعة الكفاية… ولكن حكمة الله اقتضت أن تكون مساحتها واسعة في السودان تُحسب بعشرات الملايين من الأفدنة … فتجميع فوائضها الصغيرة يعطي ملايين الأطنان من الحبوب خاصة الذرة ..فكما يقول المثل السوداني (الكثرة غلبت الشجاعة) فهذه الزراعة البائسة هي التي تنقذ السودان من المجاعات اليوم وهي التي تمده بشيء من الفائض للتصدير.
(4)
هذه الزراعة المطرية التقليدية الاكتفائية البسيطة… المحرومة من أي خطط وتدابير حديثة تقدم للسودان اليوم خدمات جليلة لسبب بسيط لأنها عصية على الأعداء …فمن أراد محاربتها ليس أمامه سبيل إلا تحويل مسار السُحب الممطرة من السودان وهذا حتى الآن مستحيل …وقد سألت الذكاء الاصطناعي عن ذلك فقال حتى الآن لا توجد قوة تستطيع جر سحابة ممطرة إلى مسار مختلف لأنها ثقيلة جداً..آخر ما وصل اليه العلم هنا هو الاستمطار وهو يعني رش الغيوم المجمعة لكي تهطل …عليه يمكن للسودان أن ينام ملء جفونه مطمئناً على زراعته الاكتفائية التقليدية رغم تواضع عائد إنتاجها..اللهم إلا إذا حدث قدر رباني ولم تتجمّع السحب وينعدم المطر فمواسم الجفاف هي التي تعيق السودان . …أما الزراعات الأخرى من مطرية حديثة و مروية فهي التي يطالها سوء الإدارة والفساد والسياسات المالية العامة الموجهة مثل ارتفاع أسعار المحروقات.. وانخفاض أسعار العملة وزيادة الضرائب وانعدام المدخلات وصفافير الطريق وكل الذي منه كما سنرى إن شاء الله في المقال القادم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top