حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
«الرأي العام والقبة والسافنا»
(1)
يحيّرني وما يتحيّر إلا مغيّر …هل للحكومة بشقيها السيادي التنفيذي (مجلس الوزراء) أو خلينا نقول للسيد رئيس مجلس السيادة صاحب السلطة السيادية والتنفيذية…أي وسيلة لقياس اتجاهات الرأي العام ؟ هل يهتمون أصلاً باتجاهات الرأي العام فيما سيصدر من قرارات أو توجهات سياسية ؟ عندما يصدر القرار أو يُتخذ الموقف السياسي كيف يعرفون موقف الرأي العام منه ؟ أم أنهم لا يضعون وزناً للرأي العام ؟
هذة أسئلة تركض خلف إجابات نتركها الآن جانباً.. ولكن دعونا نهمس في إذن الحكومة ممثلة في مجلس الوزراء ومجلس السيادة أو مجسّدة في شخص رئيس مجلس السيادة بأن الرأي العام ينبغي أن يكون هو البوصلة التي تهتدي بها البلاد …لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة ..وهو الأرضية التي يجب أن تقف عليها أي حكومة ..وأي حكومة في الدنيا يعوزها سند الرأي العام تصبح حكومة معزولة.. ضعيفة …فاقدة المناعة ..لديها قابلية عالية للاختراق المحلي والخارجي …وأي حكومة يعوزها السند الشعبي الداخلي سوف تروح فيها …نعم هناك من لايعترف بوجود الرأي العام ..وهناك من يقول بأنه أمر قابل للصناعة .. في ظننا الخاص أنه كائن حي موجود ومؤثّر وقابل للتزييف ولكن متى ما احترمته سوف يحترمك ويسنِدك ..
(2)
بعيداً عن التجريد لنأخذ لذلك مثالاً تطبيقياً وهو عودة النور القبة وعلي رزق الله السافنا من صفوف التمرّد والطريقة التي تم استقبالهما بها …كيف كان استقبال الرأي العام لها ؟ وكيف تطوّرت نظرة الرأي العام للأمر ؟… من ناحية نظرية بحتة وفي أي معركة عسكرية أن يخرج قائد من صف العدو ويلجأ إليك فإن في هذا نصر لك وهزيمة للعدو …لذلك يكون من الطبيعي أن يرحّب جزء كبير من الرأي العام المحلي بخروج القائدين من مليشيا الدعم السريع ..ثم يقبل بهما كقادة عسكريّين داعمين للقوات المسلحة ..ويعتبر كل ذلك نجاحاً للاستخبارات العسكرية وجهود سياسية من وراء الكواليس… هناك من رفض طريقة استقبال عودة القائدين باعتبار أن الفظائع التي ارتكبها الدعم السريع والقائدين جزء منه جرائم لاتُغتفَر لأنها جرائم حرب أو على الاقل كان ينبغي استتابتهما والطلب منهما الاعتذار عما حدث …وأنه يجب عدم الإخلال بالحقوق الخاصة للمتضرّرين …
ما صدر من القائدين من تصريحات ومواقف بعد العودة من صفوف التمرّد والتي أرجعها البعض لطريقة استقبالهما أصابت الناس بإحباط… وفي تقديري أنها أحدثت تحولاً في الرأي العام بدليل أن ما حدث للسافنا في الحج وجد رواجاً لا يقل عن خبر عودته من صفوف التمرّد …
الغرف الداعمة للتمرّد لعبت دوراً كبيراً في التشكيك في جدوى انسلاخ القائدين من الدعم …فنشر صور الدعامة في أم درمان حقيقة كانت أم كذباً أيقظت الرُعب الذي كان سائداً أيام سيطرة الدعم …بث مخاوف القوات المشتركة حقيقة كانت أم كذباً أثرت في تماسك الصف الداعم للقوات المسلحة… مشهد أسرة السافنا الصغيرة وهي ترحل من المملكة العربية السعودية شككت في جدوى الانسلاخ …إشاعة أن الصفقة وراءها ملايين الدولارات للقائدين هزّت مكانتهما ..توقف العمليات العسكرية بالتزامن مع عودة القائدين أوجدت مناخاً لتصديق أن العودة جزء من صفقة مع الدعم السريع …باختصار إن الغرف الداعمة لمليشيا الدعم السريع لعبت في الشغلانة بتكتيكات متقنة مُستغّلة الثقوب التي كانت فيها وأحدثت تحوّلاً في الرأي العام .
(3)
إذا صح ما ذهبنا اليه أعلاه من تحليل أو قل قراءة من أن عودة القائدين وجدت ترحيباً من الرأي العام ثم تحوّل هذا الترحاب الي تشكيك ثم توجّس وخوف …فإذا صح هذا ما هو واجب القائم على الأمر الذي ينبغي أن يقوم به ؟ كيف يمكن أن يستعدل الصورة ليجعل الرأي العام يوقن أن العودة في حقيقتها شق متقن في صفوف التمرّد ..وأنها لم تأت صدفة بل بعمل مُتقن وأن نتائجها ستكون إيجابية …طبعاً دا شغل احترافي ومن صميم أعمال الحكومة ..أما هدفنا من هذا المقال هو التنويه لأهمية الرأي العام وهذا يبدأ بالاعتراف به ..أي التيقُّن بأن هناك رأي عام ..وأن تأثيره بالغ على الحكومة والحاكم.. وأنه يتوجّب احترام هذا الرأي العام… وهذا الاحترام يبدأ بمحاولة استشراف موقف الرأي العام قبل صدور أي قرار … ثم متابعة موقف الرأي العام بداية تنفيذ القرار للتعرّف على تأثير الجهة المضادة .. ثم موقف الرأي العام النهائي من القرار أي من الموقف المُتخذ …وقديماً قالوا (ألسنة الخلق أقلام الحق)
إن ما نراه الآن من سياسات ومواقف سياسية مُرتجَلة… يشي بأن من يحكمون الآن لا يضعون وزناً للرأي العام …وأي واحد شايت في الاتجاه الذي يروق له .. ولا يعبأ بما سيحدثه من أثر …إن هذا النوع من المسؤلين يجهل أو لا يعترف بوجود الرأي العام إلى أن يبقى ليه (بمبي )..إن خوفنا ليس على الأفراد إنما على البلاد..






