حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
ما مصير (باقي الكَتلة)؟
(1)
الحرب مطلق الحرب شيء مروع ومخيف وقاسي و…و…كل مفردات الأسى والألم يمكن إلحاقها بالحرب ..ولكنها في نفس الوقت حقيقة من حقائق الوجود وهي موجودة مع وجود الإنسان وستظل موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..ولا أظن أن إنساناً عادياً يمكن أن يتخيّل عالم خالي من الحروب ..اللهم إلا في عالم الأفكار المجرّدة والتهويمات والماورائيات والرغايب يمكن أن نلتمس عالماً خالياً من الحروب..كما في فكرة المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً وفساداً….وساعتها سوف يرتفع الشر من الأرض..بحيث يرعى الذئب مع الغنم ويلعب الأطفال بالعقارب والثعابين ..وبالتالي علاقة الإنسان بالإنسان ستكون علاقة ملائكية… ولعل المفارقة أن التمهيد للمهدي المنتظر سيكون بالحرب لإزالة الطواغيت التي تقف بين المهدي المنتظر وبقية البشر. ..أيضاً في الأفكار الوضعية نجد الماركسية تبشّر بمرحلة أن يصل الإنسان …من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته..وعندما يصل الإنسان هذه المرحلة ستكون الغرائز والطبايع البشرية قد تغيّرت… وينتهي حب التملك والإنانية ويختفي الصراع بين الناس …هذه الأفكار التي تبشّر بنهاية الحروب تعتبر أفكار مثالية (طوباوية) ….ولن تتحقق على أرض الواقع… ولكن يظل وجودها مطلوب والسعي لها مطلوب … لأنها تقلّل من الصراع والتوتر… وترقي الإنسان الذي يعتنقها بالحلم بعالم جميل …بالرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن..وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ….عليه تظل الحروبات موجودة والسعي لانهائها مطلوب… فهذه سنة في الكون.
(2)
إذا أيقنا بأن وجود الحرب أمر حقيقي… فهذا يعني أن هناك حكمة من وجودها وبالتالي يمكن الخوض في سلبياتها وإيجابياتها …لأنها شكل من أشكال التدافع البشري… المولى لم يخلق شيء عبثاً في هذ الوجود …و استدامة صراع الخير و الشر تعطي الإنسان هامشاً للكسب أو السقوط …
في حرب السودان الماثلة والتي مازال عدادها يرمي …شهدنا كل مآسي الحرب وأهوالها …فقد كانت في معظمها عدوانا فاجراً من أقوام سلطهم الله على عزل وأبرياء لم يتعلم الواحد منهم (كيف يصرُف العكّاز) … بضم الراء…ناهيك عن تجنّب الدوشكات والراجمات والصواريخ والمُسيّرات ..كادت الدولة أن تغيب نهائياً ولكن ربنا ستر .. القوات المسلحة التي كانت قد أخذت على حين غرة ..استجمعت قواها وأزاحت العدوان من قلب السودان الجغرافي .. وعادت الدولة الي الوجود وأمسكت بجزء مقدر من الوطن ولكن تبقّى غرب البلاد إذ مازالت الحرب تدور في رحاه.
(3)
مع تحرير جزء مقدر من الكُتلة السكانية في البلاد…. وعودة الدولة بكافة مؤسساتها … ثم وجود حكومة تمارس كافة السلطات من سيادية وتنفيذية وتشريعية…حتى ولو اعتبرها البعض سلطة أمر واقع فهي في النهاية سلطة ..كان ينبغي أن تظهر فوائد الحرب بعد أن عاش الناس ويلاتها …نعم للحرب فوائد تظهر في الناجين منها بعد أن فقدوا الكثير ..هؤلاء بالدارجية يسمونهم (باقي كَتلة) الفرد من باقي الكَتلة إنسان مجازف ليس لديه ما يخشى عليه… ويمكن أن يغامر ويركب الصعاب بدون تردّد …إنه إنسان لا يعرف الخوف ولا الاستكانة ..طاقاته هائلة …إنه إنسان مختلف ..إنسان ما بعد الحرب إذا وجد من يستغل طاقاته المتجدّدة ونفسياته الجديدة يمكن أن تنهض البلاد به …لذلك رأينا الكثير من الأمم التي كانت متعثرة في مسيرتها بعد خروجها من الحرب انطلقت بسرعة الصاروخ نحو الأمام …ويشبهونها بطائر الفينيق الذي ينفض جناحيه من رماد النار ليسبح في الفضاء كما يشاء … وبقوة دفع جديدة ..حدث لكل من أوروبا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية …وفي أمريكا بعد الحرب الأهلية الطويلة ..واليابان وألمانيا وتركيا ورواندا …وكنا نود للسودان أن يكون مثلها لاسيّما وأن العدوان عليه كان (عينة) ..كنا نود أن تظهر فوائد ما بعد الحرب بعد أن دفعنا فاتورتها كاملة ومازلنا ندفع …قد يقول قائل علينا ألا نستعجل ونصبر حتى نهاية الحرب حتى بعد ذلك نجني فوائد ما بعدها ..للأسف ما يظهر من بوادر يشيء بأن هناك من يسعى لمصادرة فوائد ما بعد الحرب …هناك من يسعى لتكريس مآسيها وجعل الشعب يعيش في حطامها دون أن ينفض الرماد عن جناحيه .. هناك مشروع يمنع حالة التعافي من التبلور والظهور ..هناك من يريدنا أن لا نبرأ من آلام الحرب ويتأهب الآن لإدخالنا مرحلة اللاحرب واللاسلم …خليكم معانا ..






