تشهد مواجهات عنيفة ومعارك طاحنة
كاودا..تداعي حصن الحلو
العاصفة تهز الحركة الشعبية..منعطف خطير
اشتباكات دامية وحركة نزوح واسعة..أزمة إنسانية
فقدان المنطقة يهدّد مستقبل الحركة..أُفول الشعارات
نميري: مركز القرار انهار ونفوذ الحلو تراجع
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تشهد منطقة كاودا معقل الحركة الشعبية – شمال بجبال النوبة مواجهات عنيفة بين قوات موالية لقيادة الحركة، ومجموعات مناوئة تطلق على نفسها الثوار تقودها قيادات من قبيلة (الأطورو)، وسط تقارير عن انهيار خطوط الدفاع التقليدية، وتلقِّي قوات الحلو هزائم ساحقة أدت إلى فرار قيادات عسكرية بارزة واتساع دائرة النزوح المدني، وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية لأن كاودا ظلت لعقود طويلة تمثل المركز السياسي والعسكري الأبرز للحركة الشعبية في جبال النوبة، وظلت معقلها منذ اندلاع التمرد المسلح في العام 1983م، الأمر الذي يجعل ما يحدث اليوم مؤشراً على تحولات عميقة داخل بنية الحركة نفسها.
مواجهات وتحوّل
وكشفت مصادر متطابقة داخل إقليم جبال النوبة عن سيطرة مجموعات مسلحة مناوئة لقيادة الحركة الشعبية على أجزاء واسعة من مدينة كاودا، المعقل الرئيسي للحركة الشعبية – شمال، بعد مواجهات وصفت بأنها الأعنف منذ سنوات، وبحسب المعلومات المتداولة، فقد أدت الاشتباكات إلى تراجع القوات الموالية لقيادة الحركة، فيما تحدثت مصادر عن مغادرة عدد من القيادات العسكرية مواقعها، من بينهم قائد أركان الجيش الشعبي (عزت كوكو) الذي قيل إنه غادر المنطقة باتجاه مناطق الكواليب ممتطياً دراجة نارية، وتأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه أطراف مناوئة للحلو عن تراجع دوره القيادي داخل الحركة ومايسمي بتحالف تأسيس.
جذور الأزمة
وعلى الرغم من أن شرارة الأحداث الأخيرة اندلعت على خلفية نزاع حول ترسيم الحدود بين مكونات محلية في منطقة كاودا، إلا أن مراقبين يرون أن الأزمة تعكس صراعاً أعمق يتعلق بالنفوذ والموارد ومستقبل القيادة داخل الحركة الشعبية، وتشير روايات متداولة في إقليم جبال النوبة إلى أن الخلافات بدأت بسبب ترتيبات خاصة بترسيم حدود بعض المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها منطقة (ديبي)، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة وسط قيادات وقواعد من قبيلة (الأطورو)، التي اعتبرت الخطوة انحيازاً من قيادة الحركة الشعبية لصالح قبيلة (الشواية) على حساب حقوقها التاريخية، وبحسب تلك الروايات، رفضت قيادات (الأطورو) نتائج عملية الترسيم، وهو ما دفع قيادة الحركة إلى اعتبار موقفها مخالفة للوائح التنظيمية والأوامر العسكرية، فأصدرت توجيهات باستدعاء عدد من الضباط والقيادات للتحقيق، غير أن هؤلاء رفضوا المثول أمام الجهات المختصة، لتصنفهم قيادة الحركة لاحقاً كمجموعة متمردة، الأمر الذي مهّد لانفجار مواجهة عسكرية مفتوحة سرعان ما تجاوزت حدود الخلاف الإداري وتحولت إلى صراع مسلح هزّ معقل الحركة الشعبية في كاودا.
سقوط الحصن
ومع احتدام المواجهات، تمكنت مجموعات (الأطورو) والقوى المتحالفة معها من فرض سيطرتها على أجزاء واسعة من كاودا، وسط انهيار واضح في الوضع الأمني، وامتدت تداعيات القتال إلى تدمير عدد من المقار الحكومية ومنازل مسؤولين بارزين، كما تحدثت تقارير محلية عن عمليات حرق وتخريب طالت منشآت وممتلكات عامة وخاصة داخل المدينة، وتبادلت الأطراف المتصارعة الاتهامات بشأن عمليات قتل وخطف وتدمير صاحبت المعارك، بينما انعكست الأزمة بصورة مأساوية على السكان المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة واحدة من أسوأ موجات النزوح التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير تقديرات محلية إلى نزوح آلاف المواطنين من مناطق القتال، في وقت تواجه فيه جهود الوساطة القبلية والسياسية صعوبات كبيرة، بعد فشل المبادرات المطروحة حتى الآن في وقف القتال أو احتواء تداعياته.
تفكيك سيطرة الحلو
وكشف عمار ناصر نميري، عضو مجلس التحرير القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان، عن تمرد واسع داخل صفوف الحركة ضد قيادة عبد العزيز الحلو، وقال نميري في إفادته للكرامة إن ثوار أبناء الأطورو باتوا يسيطرون على مناطق استراتيجية تشمل “هيبان، والأزرق، وشارو بير، وكجامة، ومركز ألدو، وجبدي، وصولاً إلى محيط مطار كاودا، مبيناً أن آخر المعلومات الواردة من الميدان تشير إلى مغادرة قائد أركان الجيش الشعبي عزَّت كوكو منطقة العمليات باتجاه السرفايا بمنطقة الكواليب، ونوّه نميري إلى تراجع قدرة الحلو على إدارة شؤون الحركة بسبب المرض والتقدّم في العمر، مشيراً إلى أن القيادة تواجه أزمة غير مسبوقة انعكست على تماسك المؤسسات السياسية والعسكرية، ونوّه نميري أن الحركة الشعبية لم تعد تملك مقراً للرئاسة، بعد رفض عدد من القبائل استضافة قيادة الحلو، ولفت إلى مشاورات جارية للحصول على “موافقة مبدئية” لاتخاذ منطقة “إيكيبان” الحدودية بين “لومون وأجرون والمورو” مقراً، واصفاً إياها بأنها “منطقة صغيرة جداً وغير حصينة، ولا تساوي 10% من أهمية كاودا، وحذّر نميري من تردي الأوضاع الإنسانية، مؤكداً أن أكثر من 30 ألف مواطن يعانون جراء النزوح من مناطق العمليات، موجهاً دعوة لمن وصفهم ب”شرفاء الحركة الشعبية” للمصالحة وتجاوز مرارات الماضي والخلافات التاريخية، معتبراً أن “الحلو يلفظ أنفاسه الأخيرة”، داعياً إلى “التكاتف والالتفاف خلف مشروع التغيير القادم.
مستقبل الحركة
وبإجماع خبراء عسكريين ومحلليين، فإن الأحداث الجارية في منطقة كاودا تمثل أخطر اختبار تواجهه الحركة الشعبية – شمال إقليم جبال النوبة منذ سنوات طويلة، لأنها لا ترتبط بخسارة موقع عسكري فحسب، وإنما تمس مركز الثقل السياسي والرمزي الذي استندت إليه الحركة طوال تاريخها الطويل في جبال النوبة، فاستمرار سيطرة المجموعات المناوئة للحلو على منطقة كاودا بصورة كاملة ومستدامة، يعني تراجعاً كبيراً في قدرة القيادة الحالية على فرض سلطتها داخل الإقليم، كما سيشجع تيارات أخرى على إعادة النظر في علاقتها بالمركز القيادي، ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس تراكمات طويلة من الخلافات التنظيمية والقبلية والسياسية، فضلاً عن الجدل الذي صاحب تحالف الحركة مع قوات الدعم السريع ضمن ترتيبات تأسيس، وهو تحالف اعتبره معارضون داخل الحركة خروجاً على بعض المرتكزات التاريخية والسياسية التي قامت عليها الحركة الشعبية، كما أن فقدان كاودا، سيحمل دلالات رمزية كبيرة باعتبارها الحاضنة التاريخية للقرار السياسي والعسكري للحركة، وقد يدفع ذلك نحو إعادة تشكيل موازين القوى داخل إقليم جبال النوبة بصورة غير مسبوقة.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فإن الحركة الشعبية – شمال، تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم بعد أن انتقلت الخلافات الداخلية من مرحلة التنافس السياسي إلى المواجهة العسكرية المباشرة داخل أهم معاقلها التاريخية، ومع استمرار المعارك، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتراجع فرص الوساطة، تتزايد التساؤلات حول قدرة عبد العزيز الحلو على استعادة زمام المبادرة مع تصاعد الانقسام المتنامي الذي قد يعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية في جبال النوبة خلال المرحلة المقبلة.






