عادت إلى المشهد بعد ست سنوات من الغياب المحكمة الدستورية.. ميزان السلطات

عادت إلى المشهد بعد ست سنوات من الغياب

المحكمة الدستورية.. ميزان السلطات

إكمال تشكيلها طوى صفحة الفراغ.. ترسيخ دولة العدالة

قانونيون: القرار يعزّز البناء المؤسسي ويحمي الحقوق

أشرف خليل: لا مبرّر لتعطيل مؤسسة بكل هذه الصلاحيات

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

تنزّل القرار الذي أصدره رئيس مجلس السيادة بتعيين بقية قضاة المحكمة الدستورية، برداً وسلاماً على الفضاء العدلي في السودان، إذ إن استكمال تشكيل المحكمة الدستورية بعد أكثر من عشرة أشهر على تعيين رئيسها مولانا وهبي محمد مختار، في الثلاثين من أغسطس 2025م،
قد أنهى فراغاً دستورياً استمر سنوات، ظل خلاله السودان يفتقد أعلى جهة قضائية معنية بحماية الدستور وصون الحقوق والحريات، ويأتي القرار في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى ترسيخ دولة القانون واستكمال مؤسسات العدالة، الأمر الذي جعل إعادة المحكمة الدستورية إلى ممارسة اختصاصاتها تحظى بترحيب واسع في الأوساط القانونية والسياسية، باعتبارها خطوة مفصلية في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
حارس الدستور
وتمثل المحكمة الدستورية قمة الهرم القضائي في المسائل الدستورية، وهي المؤسسة التي أوكل إليها القانون حماية الدستور وضمان احترام أحكامه، باعتباره المرجعية العليا التي تستمد منها جميع السلطات شرعيتها، وتختص المحكمة بالفصل في دستورية القوانين والنصوص القانونية، وإبطال كل تشريع أو قرار يخالف الدستور، كما تنظر في النزاعات الدستورية بين مستويات الحكم المختلفة، وتحسم الخلافات بين الحكومة الاتحادية والحكومات الولائية، فضلاً عن دور المحكمة الدستورية في حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور، كما تعد المحكمة الملاذ الأخير للمواطن عندما يتعلق الأمر بانتهاك حق دستوري، إذ تملك سلطة النظر في الدعاوى الدستورية حتى بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، بما يجعلها الضامن الأعلى لسيادة القانون والفصل بين السلطات، وصمام الأمان الذي يحول دون تغول أي سلطة على أخرى.
سنوات التعطيل
ومنذ العام 2020م ظل تعطيل المحكمة الدستورية موضع جدل سياسي وقانوني واسع، إذ ترى قوى سياسية وشخصيات قانونية أن تحالف قوى الحرية والتغيير، الذي قاد الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، لم يمنح إعادة تشكيل المحكمة الأولوية التي تستحقها، رغم الحاجة الماسة إليها خلال المرحلة الانتقالية، ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن استمرار غياب المحكمة حرم البلاد من مؤسسة كان يمكن أن تسهم في حسم كثير من النزاعات الدستورية التي صاحبت تلك المرحلة، وتوفر مرجعية قانونية عليا للفصل في القضايا الخلافية، وفي المقابل، كانت الحكومة الانتقالية السابقة تعزو تأخر تشكيل المحكمة إلى تعقيدات المرحلة السياسية والخلافات المرتبطة باستكمال هياكل السلطة الانتقالية، وترى فئة ثالثة أن الجهات التي سعت إلى إخراج المحكمة الدستورية من منظومة مؤسسات الدولة تعود اليوم لتكرر الخطأ نفسه عبر رفض إعادة تشكيلها، بطرح مبررات وذرائع واهية لا يمكن أن تصمد أمام حجم الأضرار اليومية التي خلّفها غياب المحكمة عن المشهد المؤسسي.
ركن أساسي
لم يكن غياب المحكمة الدستورية طوال السنوات الست الماضية مجرّد غياب لمؤسسة قضائية، وإنما غياب لواحدة من أهم ركائز الدولة القانونية، فمنذ انتهاء ولاية قضاتها في يناير 2020م، تعطلت الرقابة على دستورية القوانين، وتوقفت جهة الاختصاص الأعلى في الفصل في المنازعات الدستورية، وحُرم المواطنون من اللجوء إلى أعلى سلطة قضائية مختصة بحماية الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، ويرى مختصون أن هذا الفراغ ترك آثاراً مباشرة على المشهد العدلي والدستوري، إذ غابت المرجعية المختصة بحسم النزاعات بين مستويات الحكم، وتراجعت الرقابة الدستورية على التشريعات والقرارات، في وقت كانت تمر فيه البلاد بمرحلة انتقالية حافلة بالتحولات السياسية والتشريعية، الأمر الذي جعل كثيراً من الملفات الدستورية تظل معلقة دون حسم، ولذلك، ينظر إلى إعادة تشكيل المحكمة اليوم بوصفها استعادة لركن أساسي من أركان العدالة، وخطوة طال انتظارها لاستكمال البناء المؤسسي للدولة السودانية.
خطوة عظيمة
ويصف المستشار القانوني والكاتب الصحفي أشرف خليل قرار استكمال تشكيل المحكمة الدستورية بالخطوة العظيمة التي طال انتظارها منذ الثاني عشر من يناير 2020م، وهو التاريخ الذي انتهت فيه ولاية قضاة المحكمة، لتظل معطلة طوال تلك السنوات دون أسباب موضوعية تبرر استمرار هذا الوضع، ويقول خليل في إفادته ل”الكرامة” ، إن هذا التعطيل خلّف فراغاً عريضاً لا يمكن سدَّه، لأن المحكمة تتمتع بطبيعة فنية واختصاصات لا تستطيع أي جهة أخرى القيام بها، لا سيما في مجال الرقابة على دستورية القوانين وضمان سلامة تنفيذها، مشيراً إلى أن مجرد اكتمال تشكيلها سيكون له أثر كبير على المشهد العام للدولة السودانية، لأنه يستكمل أهم حلقة من حلقات مؤسساتها الدستورية، مبيناً أن المحكمة تضطلع بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والفصل في دستورية القوانين والنصوص، والنظر في النزاعات الدستورية بين مستويات الحكم، والفصل في النزاعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، فضلاً عن أن المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة المختصة بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين عندما تتعرّض للانتهاك، حتى بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، ويشدد خليل على أن مؤسسة بهذا القدر من الصلاحيات والاختصاصات لا يمكن القبول بتعطيلها كل هذا الزمن، مقللاً من المبررات التي تسوقها بعض الجهات بشأن استعادة المحكمة خاصة وأن هذه الجهات هي التي ساهمت في تعطيل قيام المحكمة خلال الفترة الانتقالية، معتبراً أن استباق عمل المحكمة والمبادرة إلى اتهامها بالانحياز يمثل عبثاً وطفولة سياسية، مؤكداً أن المحكمة تمارس اختصاصاتها في العلن، وتصدر أحكامها للرأي العام، وتظل أبوابها مفتوحة أمام جميع المتقاضين، بما يكفل الرقابة القانونية والمجتمعية على أدائها، ورأي الأستاذ أشرف خليل أن إعادة تشكيل المحكمة الدستورية يمثل تصحيحاً لمسار مؤسسي ظل معطلاً لسنوات، وأن الدولة استعادت بذلك إحدى أهم أدواتها في ترسيخ سيادة القانون، وختم أشرف إفادته ل”الكرامة” بسؤال مهم يلخص جوهر هذه المرحلة: أيهما أفضل وأقسط… أن نبتدر جهودنا نحو العدالة، أم نؤجل ذلك إلى أجل غير معلوم؟.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن السودانيين قد يختلفون حول كثير من القضايا السياسية، لكنهم يكادون يجمعون على أن دولة بلا محكمة دستورية هي دولة تفتقد إحدى أهم ضمانات العدالة وسيادة القانون، ولهذا، فإن اكتمال تشكيل المحكمة لا يمثل مجرد استيفاء لإجراءات قانونية أو شغل لمقاعد ظلت شاغرة، وإنما يعيد إلى الدولة المؤسسة التي أناط بها الدستور مهمة حماية الحقوق، وضبط العلاقة بين السلطات، وصون الشرعية الدستورية، ويبقى التحدي الحقيقي في أن تمارس المحكمة اختصاصاتها باستقلال كامل، وأن تتحول أحكامها إلى عنوان لسيادة القانون وثقة المواطنين في العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top