رحيله طوى صفحة قائد ترك أثراً خالداً في وجدان الشعوب
“الشيخ حمد بن خليفة”… عاش وفياً ومحباً للسودان
ترك سيرة حافلة في خدمة قضايا الأمة ..إرث كبير
دعم استقرار دارفور .. منابر الحوار ومشروعات السلام والتنمية
أيادي الخير القطرية.. حضور إنساني راسخ
تقرير :رحمة عبدالمنعم
لم يكن خبر رحيل المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خبراً عابراً في العالمين العربي والإسلامي، بل كان نبأً أثقل القلوب بالحزن، واستعاد معه الملايين سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بالبناء والإصلاح، وبصناعة التحولات الكبرى في دولة قطر، وبالوقوف إلى جانب قضايا أمته في أحلك الظروف.
رحيل مؤثر
ورحل أمس الأحد الأمير الوالد صاحب السمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني امير دولة قطر السابق، بعد مسيرة طويلة حفلت بالعطاء والإنجاز، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً وإنسانياً سيظل حاضراً في ذاكرة الشعوب التي عرفت مواقفه، وفي مقدمتها السودان، الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد دولة شقيقة، بل قضية إنسانية ووطناً حمل همومه في قلبه، وسعى بكل ما أوتي من حكمة وإرادة إلى تضميد جراحه.
وقد توالت برقيات التعزية ورسائل المواساة من قادة الدول العربية والإسلامية ورؤساء الحكومات، الذين أجمعوا على أن الراحل كان رجل دولة استثنائياً، كرّس حياته لخدمة وطنه وأمته، وأسهم في ترسيخ مكانة دولة قطر بين الأمم، كما كان حاضراً في مختلف القضايا العربية والإسلامية، داعماً للاستقرار، ومناصراً للعمل الإنساني، وصاحب رؤية بعيدة الأثر.
أثر وعطاء
وفي السودان، بدا وقع الرحيل مختلفاً، إذ يستعيد السودانيون اسم الشيخ حمد مقروناً بمحطات لا تزال حاضرة في ذاكرتهم الوطنية،فحين اشتعلت أزمة دارفور في سنواتها الأولى، واتسعت رقعة النزاع، لم يقف الأمير الوالد موقف المتفرج، بل حمل القضية على عاتقه، وفتح أبواب الدوحة أمام الفرقاء، لتتحول العاصمة القطرية إلى منبر للحوار، بدلًا من أن تكون المنطقة رهينة لصوت البنادق.
ولسنوات طويلة، استضافت الدوحة جولات التفاوض، وبذلت جهوداً سياسية ودبلوماسية مضنية أملاً في الوصول إلى سلام يعيد الأمن إلى الإقليم ويخفف معاناة أهله. ولم تكن تلك الجهود مجرد وساطة سياسية عابرة، وإنما كانت تعبيراً عن قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي يبدأ بالحوار، ويكتمل بالتنمية وإعادة بناء الإنسان.
وجاءت اتفاقية الدوحة للسلام في دارفور في يوليو عام 2011 لتشكل إحدى أبرز ثمار تلك الجهود، ورغم ما واجهته مسارات السلام لاحقاً من تعقيدات سياسية، فإن الشيخ حمد لم يجعل دعمه للسودان مرتبطاً بنجاح الاتفاقات وحدها، بل مضى في الوفاء بما التزم به تجاه أهل دارفور، فدعمت قطر مشروعات إعادة الإعمار، وأسهمت في إنشاء مؤسسات تنموية، ومولت برامج العودة الطوعية للنازحين، في رسالة عملية مفادها أن السلام لا يُصان إلا بالتنمية.
ولم تقتصر علاقة الأمير الوالد بالسودان على الملف السياسي وحده، بل امتدت إلى العمل الإنساني والخيري، حيث ظل السودان حاضراً في أولويات الدعم القطري. وكان مكتب منظمة الدعوة الإسلامية في الدوحة، بحسب ما أورده الكاتب الصحفي ومدير مكتب قناة الجزيرة في السودان المسلمي الكباشي، واحداً من أهم مكاتب المنظمة وأكثرها أثرًا وعطاءً، بما جسّد عمق العلاقة بين البلدين، ورسّخ حضور قطر في وجدان السودانيين بوصفها سنداً في أوقات الشدة قبل الرخاء.
قطر الخير
ويشير الكاتب الصحفي المسلمي الكباشي إلى أن أيادي الخير القطرية لم تنقطع عن السودان، خاصة خلال سنوات الحرب، حين كانت المساعدات الإنسانية تصل لتخفف معاناة المتضررين، وتساند الأسر المنكوبة، حتى ارتبط اسم قطر في الذاكرة السودانية بمعاني الإغاثة والمواساة، وبالسعي الدائم إلى تضميد الجراح وإسناد الإنسان حين تضيق به السبل.
ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تتوالى كلمات الرثاء من القيادات السودانية والقوى السياسية، حيث تقدم الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، بخالص التعازي إلى قيادة وشعب دولة قطر، مشيداً بسيرة الأمير الوالد وداعياً الله أن يتغمده بواسع رحمته.
كما نعى رئيس الوزراء كامل إدريس الأمير الوالد، واعتبر رحيله خسارة للأمتين العربية والإسلامية، مستذكراً أدواره في ترسيخ السلام والاستقرار وتعزيز التعاون العربي والإسلامي، إلى جانب إسهاماته الكبيرة في مجال العمل الإنساني.
وامتدت مشاعر الحزن إلى القيادات والرموز السودانية، فنعاه السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، كما كتب الأمير عبد الرحمن الصادق المهدي، نيابة عن حزب الأمة وكيان الأنصار، مستحضراً مسيرة الراحل ودوره في بناء نهضة دولة قطر الحديثة، وإسهاماته في تعزيز حضورها الإقليمي والدولي، وما اتصف به من حكمة وبعد نظر ورؤية استراتيجية.
مشروع متكامل
ويرى المسلمي الكباشي أن الشيخ حمد لم يرحل تاركاً وراءه دولة فحسب، بل ترك مشروعاً متكاملًا للتنمية والنهضة، قائلاً إن الوطن الذي بناه سيطوي حزنه على قائد صنع الإنجاز، وشيد الطرق، وأسس الجامعات والمؤسسات، ورسخ مكانة قطر بين الأمم، لتظل سيرته صفحات مضيئة في تاريخ دولة اختارت أن تبني مستقبلها بالرؤية والعمل.
ويضيف أن الأمير الوالد أحسن إعداد مرحلة انتقال القيادة، حين سلّم الراية إلى سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي واصل السير على النهج ذاته، محافظاً على المكتسبات، ومضيفاً إليها رؤى جديدة، بينما بقي السودان حاضراً في اهتمام القيادة القطرية، امتداداً لنهج رسخه الأمير الوالد، وقائماً على دعم الإنسان السوداني والوقوف إلى جانبه في أوقات المحن.
وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تفقد الأمة العربية والإسلامية واحداً من أبرز رجالها، ويفقد السودان صديقاً عرفه في ساعات العسرة قبل اليسر، وآمن بأن بناء السلام لا يكون بالشعارات، وإنما بالفعل، وأن قيمة الدول تُقاس بما تمنحه للإنسان من أمل، وما تزرعه في أرضه من حياة.
رحل الأمير الوالد، لكن ما غرسه من مبادرات للسلام، وما تركه من بصمات في السودان، سيظل شاهداً على رجلٍ آمن بأن خدمة الإنسان هي أبقى ما يخلده التاريخ، وأن الأوطان العظيمة لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالحكمة، والوفاء، والعمل الذي يبقى أثره بعد غياب أصحابه.






