جنوب السودان اعتمدتها دائرة جغرافية لانتخابات “2026”
«أبيي».. تطور خطير
السودان يرفض قرار المفوضية.. مخالفة بروتوكول المنطقة
الإعلان يتجاوز الترتيبات الانتخابية ..أبعاد سياسية وسيادية
بيان الخارجية رد بقوة.. مرجعيات قانونية حاكمة
تقرير: محمد جمال قندول
في تطوّر خطير، أعلنت المفوضية القومية للانتخابات في دولة جنوب السودان اعتماد عدد (102) دائرة جغرافية لإجراء الانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026م، وقد شملت الدوائر الجغرافية المعلنة عدد (12) دائرة في واراب، بما في ذلك إدارية أبيي.
فيما كان الرد الحكومي الرافض لخطوة جوبا سريعاً، حيث أعربت وزارة الخارجية عن رفض حكومة السودان لقرار مفوضية انتخابات دولة جنوب السودان، إذ ذكرت أن ذلك يخالف بصورة صريحة بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005م.
رفض
وأعلنت حكومة السودان رفضها لقرار المفوضية، الذي يخالف بصورة صريحة بروتوكول منطقة أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، واتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لمنطقة أبيي الموقعة بين البلدين في عام 2011م، والتي مهدت لصدور قرار مجلس الأمن رقم (2046) لسنة 2012م، الذي يدعو إلى التفاوض بين البلدين، دون شروط، للوصول إلى الحل النهائي للوضع في أبيي.
وذكرت حكومة السودان في بيانها، بأن البروتوكولات والاتفاقيات المشار إليها تمثل المرتكزات والمرجعيات الأساسية للعلاقة القانونية للتعامل بين البلدين في أي شأن يخص منطقة أبيي، وأن السودان ظل على الدوام ملتزماً بمراعاة هذه المرتكزات والمرجعيات.
التزامات
وطالبت حكومة السودان بضرورة الوفاء بجميع الالتزامات القانونية وفق البروتوكولات والاتفاقيات الموقعة بين البلدين، والتمسك بالتوصل إلى الحل النهائي للوضع في أبيي سلمياً، وبما يخدم العلاقات بين البلدين ويحفظ الأمن والسلم في المنطقة.
ودعت حكومة السودان الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى والدول الشقيقة والصديقة الراعية للبروتوكولات والاتفاقيات الخاصة بمنطقة أبيي إلى العمل من أجل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ورفض أي تحرّكات أحادية خارج الأطر القانونية.
وأكدت حكومة السودان، من جديد، التزامها التام بعلاقات حسن الجوار، وفي ذات الوقت تؤكد تمسكها بحقوقها القانونية حسبما نصت عليه البروتوكولات والاتفاقيات الموقعة عليها.
أبعاد
ويمثل إعلان مفوضية الانتخابات في جنوب السودان إدراج إدارية أبيي ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات المقررة في ديسمبر 2026 في تقدير الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي، خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية تتجاوز الترتيبات الانتخابية الداخلية، لأنها تتعلق بمنطقة لا يزال وضعها النهائي محل نزاع بين الخرطوم وجوبا، وتحكمها بروتوكولات واتفاقيات دولية لم تُحسم مخرجاتها بصورة نهائية.
وفي هذا السياق،يرى شقلاوي أن اعتراض السودان، الذي جاء في بيان وزارة الخارجية، يستند إلى مرتكزات قانونية معتبرة، أبرزها بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لعام 2011، وقرار مجلس الأمن رقم (2046) لسنة 2012، وجميعها تؤكد أن مستقبل المنطقة يجب أن يُحسم عبر التفاوض بين الطرفين، وليس بإجراءات أحادية قد تفرض واقعًا جديداً على الأرض.
ويعكس البيان الصادر عن وزارة الخارجية توجهاً سودانياً لإدارة الملف عبر الأدوات القانونية والدبلوماسية، مع توثيق موقف رسمي يرفض أي تغيير في الوضع القائم، ودعوة الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم في حماية المرجعيات المتفق عليها، بما يحفظ الأمن والاستقرار ويحول دون اتساع دائرة الخلاف.
وتكتسب هذه الخطوة، وفق شقلاوي، أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي قبيل الانتخابات العامة في جنوب السودان، بما يوحي بأن ملف أبيي بات جزءًا من الحسابات السياسية الداخلية في جوبا، الأمر الذي يفسر حرص الخرطوم على تسجيل اعتراضها رسميًا لمنع تكريس أي أمر واقع جديد.
كما يضع هذا التطور الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجهات الراعية لاتفاقيات السلام أمام مسؤولية التمسك بالمرجعيات القانونية القائمة، بما يحول دون تعقيد العلاقات بين البلدين ويُبقي باب التسوية السلمية مفتوحًا.
وختم محدّثي قائلاً: في تقديري، فإن السودان يمتلك سنداً قانونياً قوياً في رفض هذه الخطوة، ليس لأنها تحسم تبعية أبيي، وإنما لأنها تؤكد أن أي إجراء أحادي بشأن منطقة متنازع عليها يظل مخالفًا للاتفاقيات السارية، ويقوض فرص الوصول إلى تسوية نهائية قائمة على التوافق واحترام القانون الدولي.
رسالة
في المقابل، يشير الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي عمار العركي إلى أن بيان وزارة الخارجية حمل رسالة سياسية وقانونية واضحة، مفادها أن الخرطوم لن تقبل بأي محاولة لفرض واقع جديد في المنطقة عبر إجراءات أحادية.
وتكمن أهمية البيان في أنه لم ينحرف إلى أي سجال سياسي، وإنما أعاد الجدل والتصرف الجنوب سوداني إلى مرجعياته القانونية الحاكمة والملزمة: بروتوكول أبيي لعام 2005، واتفاقية 2011، وقرار مجلس الأمن (2046)، وهي الوثائق القانونية الموقعة من جميع الأطراف، التي تؤكد أن الوضع النهائي للمنطقة لا يزال محل تفاوض بين الدولتين، ولا يجوز لأي طرف الانفراد بحسمه عبر قرارات إدارية أو انتخابية.
كما أن دعوة السودان للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجهات الراعية للتدخل تعكس رغبة الخرطوم في تدويل مسؤولية حماية الاتفاقيات، حتى لا تتحول الإجراءات الأحادية إلى سوابق تضعف فرص التسوية السلمية.
وفي توقيت يشهد تحديات أمنية وسياسية معقدة في الإقليم، فإن أي محاولة لتغيير الوضع القانوني لأبيي خارج إطار التوافق لا تهدد الاتفاقيات الثنائية فحسب، بل تحمل مخاطر على الاستقرار الحدودي والعلاقات بين البلدين.
لذلك، يمكن قراءة بيان وزارة الخارجية حسب العركي، باعتباره إعلاناً بأن السودان يتمسك بخيار القانون والتفاوض، لكنه في الوقت نفسه يبعث برسالة حازمة مفادها أن حقوقه في أبيي ليست قابلة للتآكل بفعل إجراءات أحادية أو استحقاقات انتخابية لا تستند إلى المرجعيات المتفق عليها.






